الكرك .. حين يصبح الوجع درسا للمستقبل
د. أميرة يوسف ظاهر
26-10-2026 09:24 AM
في لحظة كان يفترض أن تجمع الناس على الوداع والدعاء، امتد الرصاص إلى كنيسة القديس جاورجيوس في بلدة حمود بالكرك، مستهدفا مشيّعين في جنازة، ومخلفا شهداء وجرحى ووجعا تجاوز حدود المكان إلى وجدان الأردنيين جميعا. لم يكن الاعتداء على أرواح بريئة فحسب بل على حرمة الحزن، وعلى الطمأنينة التي يفترض أن يجدها الإنسان في وطنه، مهما اختلفت معتقداته.
لكن السؤال الذي ينبغي أن يبقى بعد الإدانة والحزن ليس كيف نعبر عن تضامننا فحسب، بل كيف نحول هذا الوجع إلى وعي يحمي المستقبل؟
لقد جاء الموقف الملكي حازما في تأكيد أن أمن الأردنيين ووحدتهم خط أحمر، وأن العدالة ستطال مرتكبي الجريمة. وجاءت المواقف الرسمية والشعبية لتؤكد أن استهداف الكنيسة ليس شأنا يخص أبناءها وحدهم، لكنه اعتداء على الأردن بأسره. فالدولة التي تحمي مواطنيها دون تمييز، وتصون حرية المعتقد، وتحتكم إلى القانون، إنما تحمي الأساس الذي تقوم عليه علاقتها بمواطنيها: الثقة المتبادلة والكرامة الإنسانية.
فالأردن لا يختبر فقط بقدرته على مواجهة الخطر، وإنما بقدرته على حماية الثقة بين أبنائه حين يصبح الخطر موجعا.
وللكرك، مدينة القلعة والتاريخ، ذاكرة لا تختصرها حادثة مهما بلغت قسوتها. إنها جزء أصيل من الحكاية الأردنية، بما تحمله من قيم الانتماء والشراكة والتضحية، وليس الوفاء لتاريخ المدن أن نستحضر أمجادها في المناسبات فحسب، لكنه أن نحمي المعاني التي صنعت مكانتها، وأن نمنع الألم من أن يتحول إلى صورة تختزل أهلها ومستقبلها.
إن العلاقة بين المسلمين والمسيحيين في الأردن ليست تسامحا موسميا نستحضره عند الأزمات، ولا منة يقدمها طرف لآخر؛ إنها شراكة أصيلة في الوطن والذاكرة والمصير. فالمسيحي الأردني ليس ضيفا في وطنه، والمسلم ليس صاحب حق حصري فيه. كلاهما مواطن كامل الكرامة والحقوق، وكلاهما شريك في مسؤولية البناء والحماية.
ومن هنا، فإن الدفاع عن الكنيسة دفاع عن حق كل أردني في الأمن والعبادة والكرامة، وعن عقد وطني لا يجوز أن تتجزأ أحكامه حين تتعرض فئة للأذى.
غير أن التماسك لا تصنعه الشعارات وحدها، إنه يبدأ من مدرسة تعلم الطالب أن زميله المختلف في الدين شريك أصيل في الوطن، ومن إعلام يواجه التحريض بدل أن يوسع صداه، ومن خطاب ديني يحمي كرامة الإنسان، ومن مؤسسات تعزز الثقة بالعدالة وسيادة القانون. كما يتطلب شفافية مسؤولة تضع الحقائق أمام الناس، وتواجه الشائعات، وتحول دون استغلال الجريمة لبث الخوف والفرقة.
فالإرهاب لا يراهن على الرصاص وحده، بل على ما قد يتركه من شكوك وانقسامات. وإفشال هذا الرهان لا يتحقق بإنكار الخطر أو تضخيمه، وإنما بمحاسبة الجناة، وصون حقوق الضحايا، ومعالجة جذور التطرف، وحماية المجتمع من خطاب الكراهية.
ولعل الوفاء الحقيقي للضحايا أن نسأل أنفسنا: هل نريد وحدة تستيقظ بعد كل مأساة، أم مجتمعا يجعلها ثقافة يومية في التربية والسلوك والعدالة؟
إن الوحدة الوطنية ليست جدارا نرفعه بعد الخطر، بل أساسا نبنيه قبل وصوله. وهي ليست إنكارا للاختلاف، بل قدرة على إدارته بالعدل والوعي والاحترام. فالأوطان لا تحميها الذاكرة وحدها، إنما القيم التي تتحول إلى ممارسة، والعدالة التي تمنح الناس الثقة، والتربية التي تجعل الانتماء مسؤولية لا مجرد شعار.
حفظ الله الأردن، قيادة وشعبا، ورحم الشهداء، وشفى الجرحى، وألهم ذويهم الصبر والسلوان. وليبقَ هذا الوطن وفيا لتاريخه، قويا بتماسك أبنائه، قادرا على أن يورث الأجيال القادمة وطنا لا يخاف فيه إنسان بسبب معتقده، ولا يشعر فيه مواطن بأن كرامته أقل من كرامة سواه.