facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




نداء حمود


م. سعيد المصري
26-10-2026 09:47 AM

من فاجعة فقد الأعزاء إلى عقد اجتماعي متطور يعزز الوقاية والتماسك الوطني

«نداء حمود» دعوة إلى عقد اجتماعي متطور يندرج ضمن دستورنا وقوانيننا النافذة، ويجدد التفاهم على المسؤوليات المتبادلة بين الدولة والمجتمع في حماية الإنسان وصون كرامته وتعزيز المواطنة. وهو دعوة إلى ترجمة هذه المسؤوليات إلى ممارسة يومية تبدأ في الأسرة، وتمتد عبر مؤسسات التعليم والعمل والحياة الدينية والاجتماعية، وتتصل بواجبات الأجهزة الأمنية والاستخبارية والقضاء ومؤسسات الإصلاح والتأهيل.

لقد أصابت فاجعة حمود وجدان الأردنيين، وألقت على عاتقنا واجباً يتجاوز الحزن على الأعزاء الذين فقدناهم ومواساة المصابين وأسرهم. فإلى جانب ملاحقة مرتكبي الجريمة وكل من تثبت مشاركته أو مساعدته، ينبغي أن نسأل كيف نحمي المجتمع من نشوء استعداد للاعتداء على الآخرين، وأين نستطيع التدخل قبل أن يتحول الخلل إلى مأساة.

ويمتلك الأردن رصيداً من استمرارية الدولة والتعايش والتكافل، وعلاقة تاريخية تجمع المجتمع بالقيادة الهاشمية ومؤسسات الدولة. وصيانة هذا الرصيد تتطلب مراجعة الاختلالات ومعالجتها، وتجديد أسباب الثقة لدى الأجيال الشابة. وتبدأ هذه المراجعة من الجنوب، حيث وقعت الفاجعة، ضمن أفق وطني يشمل المملكة، دون وصم محافظة أو قرية أو عشيرة، ودون أن يتحول البحث عن الأسباب إلى تبرير للجريمة أو انتقاص من مسؤولية مرتكبيها.

منظومة المسؤولية عبر مراحل الحياة

لا تتشكل شخصية الإنسان في لحظة واحدة. فهو يكتسب قيمه وطريقة تعامله مع الآخرين من البيت، ثم تتسع خبرته عبر المدرسة والجامعة والعمل والمحيط الاجتماعي. وفي كل مرحلة توجد فرص لتعزيز السلوك المسؤول، واكتشاف الصعوبات، وتصحيح ما قد ينشأ من خلل.

وقد تلاحظ الأسرة تغيراً ولا تعرف كيف تتعامل معه، وترى المدرسة سلوكاً عدوانياً فتكتفي بعقوبة مؤقتة، ثم تنتقل المشكلة إلى مؤسسة أخرى دون متابعة. وعندما يصل الأمر إلى الأجهزة الأمنية، قد يكون قد تجاوز حدود المشكلة التربوية أو الاجتماعية وأصبح فعلاً يعاقب عليه القانون.

ليس معنى ذلك أن كل جريمة كان يمكن توقعها، أو أن كل سلوك مقلق ينتهي إلى جريمة. لكنه يفرض مراجعة الفرص التي كان يمكن فيها تقديم مساعدة أو منع ضرر، ومعرفة لماذا نجحت الاستجابة في بعض الحالات ولم تنجح في غيرها.

فالمنظومة الوقائية تحتاج إلى مؤسسات تعرف مسؤولياتها، وإلى اتصال بينها يمنع ضياع الحالة في المسافة الفاصلة بين جهة وأخرى.

الأسرة: التربية والقدوة والمتابعة

تبدأ مسؤولية الأب والأم بتعليم الأبناء احترام الآخرين، وضبط الغضب، وتحمل المسؤولية، وإدراك أن الاختلاف لا يبيح الإهانة أو الاعتداء. وتكتسب هذه التربية معناها من القدوة داخل المنزل، ومن الطريقة التي يعالج بها الكبار خلافاتهم ويتحدثون بها عن الآخرين.

وتشمل المتابعة معرفة الحياة اليومية للأبناء: دراستهم وصداقاتهم، وكيف يقضون أوقاتهم، وما يواجهونه من ضغوط، وطبيعة استخدامهم للمال والمنصات الرقمية. وتتغير هذه المتابعة مع العمر، بحيث تجمع الاهتمام والحدود الواضحة واحترام الاستقلال المتدرج.

وتستدعي التغيرات المستمرة، مثل العنف والتهديد والتغيب والتراجع الحاد أو علامات الاستغلال والتعاطي، فهماً وتدخلاً مناسباً. فقد تكون وراءها مشكلة تعليمية أو تنمر أو أزمة نفسية أو أسرية. ولذلك ينبغي ألا تتحول الملاحظة إلى اتهام، وألا يتحول الخوف على السمعة إلى إخفاء للمشكلة.

وفي المقابل، تحتاج الأسرة إلى من يساعدها. فالمطالبة بحسن التربية لا تكفي حين يواجه الوالدان ظروفاً تتجاوز معرفتهما أو قدرتهما. ومن هنا تأتي أهمية الإرشاد الأسري، والخدمات التي يسهل الوصول إليها، وقنوات الاستشارة الموثوقة، مع الانتباه إلى الحالات التي يكون فيها المنزل نفسه مصدراً للعنف أو الأذى.

التعليم: متابعة الإنسان إلى جانب تحصيله

تمتد مسؤولية التعليم من الطفولة المبكرة إلى المدرسة والجامعة والتدريب المهني. وهي تشمل بناء التفكير النقدي واحترام الكرامة الإنسانية، وتعلم إدارة الخلاف والعمل المشترك وطلب المساعدة، إلى جانب المعرفة والتحصيل.

ويستطيع المعلم ملاحظة تغيرات قد لا تظهر في المنزل: تنمر متكرر، أو اعتداء، أو انقطاع عن الدراسة، أو تهديد للآخرين. لكنه يحتاج إلى تدريب وإسناد مهني، حتى يعرف ما الذي يوثقه، ومتى يتواصل مع الأسرة، ومتى يحيل الحالة إلى المرشد أو الجهة المختصة.

ولا يكفي أن تنتهي المعالجة بإنذار أو فصل أو نقل. فقد تتخلص المؤسسة من السلوك داخل أسوارها بينما تبقى أسبابه قائمة. والمطلوب أن يقترن الانضباط بخطة تصحيح ومتابعة، مع حماية الطلبة والعاملين من الأذى.

أما الجامعات والمعاهد، فتحتاج إلى خدمات إرشاد موثوقة ومشاركة طلابية ذات معنى، وإلى إجراءات واضحة للتعامل مع العنف والتحرش والاستقطاب. ويظل التمييز ضرورياً بين الاختلاف الفكري والاحتجاج المشروع، وبين التهديد والتحريض على الاعتداء.

العمل والمجتمع المحلي: استمرار الاتصال بالفرد

يمنح العمل دخلاً وانتظاماً يومياً وعلاقات ومسؤوليات، ويمكن أن يكون عاملاً مهماً في الاندماج والاستقرار. وتتحمل المؤسسات مسؤولية حماية بيئة العمل من العنف والتحرش والاستغلال، من خلال قواعد معلنة وإجراءات عادلة وقنوات للشكاوى والمساعدة.

ويجب التمييز بين الخطأ المهني والحالة الصحية والسلوك العدواني والجريمة، لأن لكل منها استجابة مختلفة. كما تبقى متابعة المؤسسة مرتبطة بالعمل وسلامته، دون تدخل غير مبرر في معتقدات العامل أو حياته الخاصة.

وتبرز هنا مسألة من يغادرون التعليم ولا يدخلون سوق العمل. فمن يحافظ على الاتصال بهم؟ وكيف تصل إليهم الخدمات والفرص؟ تتوزع هذه المسؤولية بين مؤسسات الشباب والبلديات والجمعيات والخدمات الاجتماعية، عبر برامج منتظمة تستجيب لاحتياجاتهم وتمنحهم دوراً في تصميمها.

وتسهم الأندية والهيئات الثقافية والقيادات المحلية في توفير الانتماء والدعم وحل النزاعات. لكن ينبغي أن تعرف حدود الوساطة، وألا تتحول حماية الفرد اجتماعياً إلى تستر على اعتداء أو ضغط على ضحية أو تعطيل للعدالة.

المعتقدات الدينية وحماية المجتمع من الاستقطاب واختطاف الدين

تكتمل منظومة التنشئة والوقاية في المجتمع الأردني بدور المؤسسات الدينية، لما للمعتقد من أثر عميق في الوجدان والسلوك وتشكيل مفهوم الإنسان عن نفسه والآخرين. ويقتضي هذا الدور صون حرية الاعتقاد والكرامة المتساوية، وترسيخ الاحترام المتبادل بين أتباع المعتقدات، ومنع الاستئثار أو التغول أو التنمر باسم أي منها. فالتنوع الديني يستقر حين يشعر كل مواطن بأن انتماءه مصون، وأن اختلافه لا ينتقص من حقوقه ولا يمنح غيره سلطة عليه، وأن إدارة الشأن العام تحتكم إلى المواطنة والقانون.

وتبدأ الخطورة حين يتحول الانتماء الديني إلى استقطاب أيديولوجي مغلق، تدّعي فيه جماعة احتكار الحقيقة وحق الحكم على ضمائر الناس، ثم تنتقل إلى إقصاء المختلف أو تكفيره، وصولاً إلى محاولة فرض تصوراتها على المجتمع بالقوة المسلحة أو التهديد والترهيب. وقد تُستَخدم سرديات الغيب والخلاص والعقاب والوعد الإلهي لإضفاء صفة الحتمية والقداسة على خيارات بشرية ومشروعات سياسية، واستهداف الناشئة بأفكار تُضعف قدرتهم على السؤال والمراجعة، وتجعل طاعة الجماعة وقيادتها مقدمة على حرمة الإنسان ومسؤولية الفرد. وفي هذا المسار، قد تنشأ مرجعيات موازية تتمرد على المؤسسات الدينية الرسمية والمعتمدة والأطر القانونية الناظمة لعملها، وتمنح نفسها صلاحية الإفتاء والإدانة والعقاب. ولا تكمن المشكلة في الاجتهاد أو الاختلاف الديني، وإنما في تحويل ادعاء امتلاك الحقيقة إلى سلطة للإكراه وإباحة الأذى.

وقد جسدت داعش نموذجاً فادحاً لاستغلال الإسلام في بناء سلطة قمعية، تسوّغ العنف وتفرض الطاعة وتحمي نفوذ قياداتها بغطاء ديني، فيما تلحق أفعالها أذى بالغاً بصورة الإسلام وقيمه الإنسانية. كما يستدعي النقد نفسه توظيف سرديات من العهدين القديم والجديد في مشروعات سياسية، حين يُستدعى الوعد الإلهي لتبرير الهيمنة أو إقصاء شعوب أخرى أو الانتقاص من حقوقها. فالاعتراض هنا يتوجه إلى تسخير المعتقد لخدمة القوة والمصلحة السياسية، ولا يتوجه إلى إيمان أتباعه أو نصوصهم المقدسة. وتتحول هذه الممارسات، بما تنتجه من كراهية وتقسيم، إلى أدوات لضرب وحدة المجتمعات داخل الأوطان وعبر الحدود.

ومن هنا، يقترح «نداء حمود» إطاراً وطنياً دائماً للتعاون بين الدولة والمؤسسات الدينية الإسلامية والمسيحية، مع إتاحة مشاركة ممثلين عن المجتمعات الدينية الأخرى، بمن فيهم الدروز والإسماعيليون والبهائيون وغيرهم، بصيغ تراعي أوضاعهم القانونية وحق أفرادهم في الكرامة والحماية والمشاركة. ولا تكون مهمة هذا الإطار توحيد العقائد أو الفصل في صحتها، بل الاتفاق على مسؤولية مشتركة في حماية الحياة، ورفض التكفير المحرض على الأذى، ومواجهة الإكراه الديني وخطاب الكراهية، ومنع استخدام دور العبادة والمنابر والمنصات الرقمية لاستقطاب الشباب إلى العنف أو إخضاعهم لمشروعات سياسية تتستر بالمقدس.

ويقتضي ذلك تنسيق المواقف عند ظهور التحريض، وإعداد برامج مشتركة للتربية على احترام الاختلاف، وتأهيل القيادات الدينية للتعامل مع أسئلة الشباب ومخاوفهم، وتوفير قنوات للحوار والإرشاد والإحالة إلى المختصين. وتتكامل هذه المسؤولية مع الأسرة في التربية والمتابعة، ومع مؤسسات التعليم في بناء التفكير النقدي، ومع المؤسسات الاجتماعية في الاحتواء والدعم، ومع الأجهزة الأمنية في مواجهة التهديدات، والقضاء في حماية الحقوق ومحاسبة من يتجاوز القانون. وتبقى الدولة ضامنة لهذا التوازن، فتمنع اعتداء أي جماعة على أخرى، وتحمي حرية الاعتقاد والتعبير المشروع، وتتصدى للأفعال التي تحول الاختلاف إلى تهديد. وبذلك يصبح التعاون الديني جزءاً أصيلاً من حماية النسيج الوطني، وتُحاصَر محاولات اختطاف المعتقدات قبل أن تتحول إلى أدوات لهدم المجتمع والقيم التي يستمد منها أفراده معنى حياتهم.

الواقع المعيشي والفراغ والثقة بالمستقبل

تؤدي هذه المؤسسات وظائفها داخل ظروف اقتصادية واجتماعية تؤثر في قدرتها. فالأسرة المثقلة بالديون، والمدرسة التي تفتقر إلى الإرشاد، والشاب الذي يطول انتظاره للعمل، تحتاج جميعها إلى استجابة تعالج القيود الفعلية التي تواجهها.

ولهذا يجب أن تشمل مراجعة الجنوب فرص التشغيل واستقرار الدخل وكلفة النقل والتسرب التعليمي والوصول إلى الخدمات، مع مراعاة اختلاف المحافظات والألوية والقرى. كما ينبغي أن تسأل عن استفادة السكان من الاستثمارات القائمة، وعن قدرة التعليم والتدريب على فتح مسارات عملية أمامهم.

والفراغ قد يجمع غياب العمل أو التعليم بضعف العلاقات الداعمة والشعور بانعدام الجدوى. وقد يصبح بعض الشباب أكثر عرضة لوعود المال السريع أو الانتماء إلى جماعة تمنحهم الاعتراف. لكن الظروف الصعبة لا تنتج الجريمة تلقائياً، وغالبية من يعانونها لا يعتدون على الآخرين.

من هنا، ينبغي دراسة عوامل الحماية بقدر دراسة عوامل الخطر، وتوفير فرص للعمل والمشاركة والتعبير. فالثقة تتعزز حين يرى الشاب أن جهده يمكن أن يغير حياته، وأن صوته مسموع، وأن القواعد تطبق بعدالة.

الاستقطاب الرقمي والامتداد خارج الحدود

يمكن أن تكون معاناة الفرد محلية، بينما تأتي الأفكار والعلاقات التي تستثمرها من فضاء رقمي عابر للحدود. وقد ينتقل من متابعة محتوى إلى الارتباط بجماعة، ثم إلى تلقي تشجيع مباشر على سلوك مؤذٍ.

ولذلك يحتاج البحث إلى معرفة طبيعة المحتوى والتواصل، وكيف تطورت المواقف والسلوكيات، مع التمييز بين التأثر الفكري والتجنيد والإسناد المالي أو التنظيمي. فلكل مستوى أدلته، ولا يكفي تشابه الشعارات لإثبات إدارة خارجية.

كما قد تُستغل المظالم والحروب والصراعات الإقليمية لتوجيه الغضب نحو مدنيين لا مسؤولية لهم عنها. ويجب مواجهة هذا التحويل بوضوح، مع حماية التضامن المشروع مع حقوق الشعوب وحرية النقد والتعبير.

وتشمل الوقاية تنمية التفكير النقدي والوعي بأساليب الاستدراج، ومساعدة الأسرة والتعليم على فهم البيئة الرقمية، والتعاون القانوني مع المنصات بشأن التحريض والتهديد. وتظل حماية الخصوصية ودقة التقييم ضرورية حتى لا يتحول الاستخدام المكثف للإنترنت إلى سبب للاشتباه العام.

المخدرات والاقتصاد غير المشروع: العلاج ومواجهة الاستغلال

تستدعي المخدرات اهتماماً خاصاً لما قد يرتبط بها من أذى صحي وديون واستغلال وشبكات غير مشروعة. وقد تستخدم بعض الشبكات حاجة الشخص إلى المادة أو الخوف من فضحه لزيادة تبعيته. كما ينبغي التحقيق في أي صلة بين أرباح الاتجار وتمويل العنف.

لكن الإدمان لا يعني فقدان الإرادة بصورة مطلقة، ولا يثبت الاستعداد للتطرف. ويجب التمييز بين المتعاطي المحتاج إلى العلاج، والشخص الذي يتعرض للاستغلال، والمروج، ومن يدير شبكة أو يمول نشاطاً إجرامياً. وقد تتداخل بعض هذه الأدوار، بما يستوجب تقييماً دقيقاً لكل حالة.

وتحتاج منظومة العلاج إلى خدمات قريبة وسرية، وتقييم متخصص، وعلاج خارجي أو إقامة علاجية بحسب الحاجة، ثم تأهيل اجتماعي ومهني ورعاية لاحقة. ويُقترح تقييم تغطية الجنوب بالكوادر والعيادات وفترات الانتظار، وتحديد الحاجة إلى مركز إقليمي مرتبط بخدمات المحافظات.

فالنجاح لا يقاس بالخروج من المركز وحده، بل بالقدرة على الاستمرار في التعافي واستعادة العلاقة بالأسرة والتعليم والعمل، مع سهولة العودة إلى المساعدة عند الانتكاس.

الأمن والاستخبارات والقضاء: المعرفة والمساءلة

تصل إلى الأجهزة الأمنية حالات أصبحت موضع اشتباه بخرق القانون أو تهديد السلامة. فتجمع الأدلة وتربط الوقائع وتلاحق المسؤولين، وتضيف الأجهزة الاستخبارية، ضمن اختصاصها، معرفة بالشبكات والتمويل والصلات الخارجية والتهديدات المنظمة.

وبذلك تتراكم لدى هذه المؤسسات معلومات بالغة الأهمية عن أنماط الجريمة وتطورها وتكرارها. وتكتمل الصورة بنتائج القضاء ومعرفة مؤسسات الصحة والتعليم والعمل والخدمات الاجتماعية، لأن الاشتباه يختلف عن الواقعة المثبتة، والملف الجنائي لا يختزل حياة الإنسان.

والمطلوب أن تسهم هذه المعرفة في توجيه الوقاية: أين تتكرر المشكلات؟ وما الخدمات الغائبة؟ وأين تعثرت المتابعة؟ ويمكن لتقارير تحليلية دورية مجمعة ومنزوعة الهوية أن تقدم إجابات تساعد المؤسسات، دون كشف أسرار التحقيق أو المساس بحقوق الأفراد.

كما ينبغي مراجعة مطابقة التهم للوقائع، وتناسب التكييف والعقوبة مع القصد والدور والضرر، وتوافر المساعدة القانونية، واستخدام البدائل العلاجية والإصلاحية المناسبة وفق القانون. فدقة العدالة تحمي المجتمع وتحول دون مساواة أدوار متفاوتة في المسؤولية والخطورة.

البيانات والإصلاح والعودة إلى المجتمع

تحتاج المتابعة إلى توثيق يميز بين الواقعة المشاهدة والمعلومة المنقولة والاشتباه والتقييم المهني والحكم القضائي. ويجب أن يشمل أيضاً ما اتُّخذ من إجراءات ونتائجها: هل تمت الإحالة؟ وهل توفرت الخدمة؟ وهل استمرت المتابعة؟

ولا يستلزم تكامل المعرفة إنشاء ملف أمني دائم لكل فرد. المقترح سجلات مهنية محددة الغرض، وتبادل للمعلومات الضرورية وفق القانون، مع صلاحيات واضحة وحماية للبيانات وإمكان تصحيح الأخطاء. ويجب ألا تتحول أزمة عابرة أو واقعة في الطفولة إلى وصمة مستمرة.

وتستمر المسؤولية داخل مؤسسات الإصلاح والتأهيل، من خلال العلاج والتعليم والتدريب والحماية من الاستغلال والتجنيد. وتبدأ خطة العودة إلى المجتمع قبل الإفراج، فتحدد جهة المتابعة واحتياجات العلاج والسكن والعمل والدعم الأسري. وبذلك تصبح نهاية العقوبة بداية عملية لاستعادة حياة مشروعة، لا عودة تلقائية إلى الظروف السابقة.

من النداء إلى عمل يمكن تقييمه

يقترح «نداء حمود» مراجعة وطنية متعددة التخصصات، ذات استقلال علمي وتعاون مؤسسي واضح، تشارك فيها الجهات المختصة وخبرات التربية وعلم النفس والاجتماع والاقتصاد والقانون والدراسات الدينية والإعلام الرقمي، مع حضور فاعل للشباب والأسر والمجتمعات المحلية.

وتتتبع المراجعة مسارات حالات سابقة منتهية قضائياً، لمعرفة ما ظهر خلالها من مشكلات، ومن لاحظها، وما الاستجابة المقدمة، وأين انقطعت المتابعة. وتقارنها بحالات نجحت فيها الوقاية وبأشخاص واجهوا ظروفاً مشابهة ولم ينخرطوا في العنف.

وتنتج عنها خطة محددة المسؤوليات والكلف والمواعيد، تبدأ بتجارب محلية قابلة للتقييم. ويُقاس النجاح بتحسن الوصول إلى المساعدة، واستمرار التعليم والعمل والعلاج، وانخفاض الأذى والعودة إلى الجريمة، وارتفاع ثقة الأسر والشباب بالمؤسسات.

ويظل دعم أسر الشهداء والمصابين، صحياً ونفسياً واجتماعياً، التزاماً أصيلاً، مع إتاحة مشاركتهم إن رغبوا، دون تحميلهم عبء تمثيل الفاجعة أو إعادة سردها.

إن العقد الاجتماعي الذي يدعو إليه «نداء حمود» يتجسد في مسؤوليات تُمارَس، ومؤسسات تتعاون، وحقوق تُصان، ونتائج تُراجَع. ويكون الوفاء للأعزاء الذين فقدناهم بأن تبقى ذكراهم دافعاً لحماية الإنسان، وتصحيح الخلل، ومحاسبة المعتدي، وتعزيز وحدة الأردن وقدرته على صون أمنه واستقراره.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :