facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




نحو خطاب ديني رشيد ضمن ميزان الأمن القومي


مؤيد السامرائي
25-10-2026 10:29 AM

* مشروع علمي للحاق بركب "الفهم والتعايش"

مقدمة: من الخطاب إلى الأمن الحضاري

يمثل الخطاب الديني في العالم الإسلامي اليوم أحد أهم مرايا الواقع الاجتماعي والثقافي، وأكثرها تأثيراً في تشكيل الوعي الجماعي والقناعات الفردية. غير أن هذا الخطاب يعاني في كثير من صوره من فجوة متسعة بينه وبين الواقع العلمي والمعرفي المعاصر، ومن ضعف في التأهيل الشرعي والعصري للقائمين عليه، ومن انفصال بين رجل الدين ورجل العلم، ومن غلبة الخطاب الاستقطابي أو التكفيري في بعض المنابر. هذه الفجوات لا تهدد فقط فعالية الخطاب الديني في هداية الناس وإرشادهم، بل تهدد أيضاً التعايش السلمي داخل المجتمعات، وتُضعف قدرة الدين على مخاطبة العقول المتعلمة بلغة تناسبها، وتُضعف الأمن القومي من داخله قبل أن يُهدده من خارجه.
ومما يعزز الحاجة إلى هذا المشروع أن القرآن الكريم يقدّم نفسه بوصفه كتاباً لمسار عالمي يخاطب الإنسان بوصفه إنساناً، لا كتاباً تاريخياً لقوم أو قبيلة، ويربط رسالته بملة إبراهيم الحنيفة القائمة على التوحيد الخالص ونقد الشرك وإعمال العقل والفطرة والمسؤولية الفردية.

وهذا المنطلق العالمي يفرض على الخطاب الديني أن يكون هو أيضاً عالمياً في لغته ومضامينه وأساليبه، قادراً على مخاطبة مختلف الأمم والشرائح بمستوياتها العلمية والثقافية. فإذا كان القرآن نفسه يؤمن بكتب الله ورسله جميعاً بلا تفريق: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾ (البقرة: 285)، ويأمر باتباع ملة إبراهيم: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ (النحل: 123)، ويجعل الأمة الوسط شاهدة على الناس: ﴿لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (البقرة: 143) — فإن الخطاب الديني الذي يحمل هذه الرسالة يجب أن يكون مؤهلاً علمياً ومعرفياً للشهادة بالعدل بين الأمم، لا مجرد خطاب وعظي منغلق.

ومن هنا تنطلق الحاجة إلى مشروع علمي متكامل لا يكتفي بالمعالجات الظرفية أو الجزئية، بل يعيد بناء الخطاب الديني على أسس منهجية راسخة، تجمع بين أصالة النص الشرعي ومعاصرة الواقع، وبين عمق العلم الشرعي وإلمام بالعلوم الحديثة، وبين مخاطبة العقل ومخاطبة القلب، وبين الثبات في الأصول والتجديد في الفهم والأساليب. وهذا المشروع هو "مشروع فهم وتعايش"، الذي يقدم نفسه بوصفه مشروعاً حضارياً وأمنياً، لا مجرد مشروع تربوي أو دعوي.

الإطار المفاهيمي: الخطاب بين العالمية والتأهيل والأمن

الخطاب الديني هو منظومة الأقوال والرسائل والمضامين التي تُبلَّغ للناس باسم الدين، سواء عبر المنبر أو الإعلام أو التعليم أو الفتوى أو الحوار، بهدف توجيه الوعي والسلوك وفق مراد الشارع. وهو ليس مجرد نصوص تُتلى، بل هو عملية تواصل حضاري بين حامل الرسالة ومتلقيها، تتأثر بالسياق الثقافي والعلمي والاجتماعي. ويُعزز هذا التعريف أن القرآن يخاطب الناس جميعاً: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 107)، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (سبأ: 28). فالخطاب الذي يحمل رسالة عالمية يجب أن يكون مؤهلاً لمخاطبة العالم بمستوياته المختلفة.

أما الارتقاء بالخطاب الديني فيعني تطوير مضامينه (قضايا معاصرة، فهم مقاصدي)، وأساليبه (لغة عصرية، حوار، إقناع)، وتكوين القائمين عليه (إمام مثقف بالواقع، عالم بالشرع)، ومؤسساته (مراكز أبحاث، معايير تقييم)، بحيث يصبح الخطاب قادراً على مخاطبة مختلف الشرائح بمستوياتها العلمية والثقافية، دون تفريط في الثوابت أو إخضاع الدين للأهواء. ومن الضروري التمييز بين التجديد المطلوب والتجديد المنحرف: فالتجديد المطلوب هو تجديد الفهم والخطاب والأساليب، لا تجديد الدين نفسه؛ فالأصول ثابتة، والمتغير هو الاجتهاد في تنزيل الثابت على الواقع.

أما ميزان الأمن القومي في هذا المشروع، فيقوم على فهم أصول الحكم والقيادة في ضوء المعايير السماوية، بوصف ذلك ضرورة استراتيجية للأمن القومي، لا سيما في ظل الفوضى الإقليمية والدولية. فالقرآن الكريم والكتب السماوية لم تترك أمر الحكم والقيادة للاجتهاد البشري المحض، بل وضعت معايير دقيقة وثابتة تضمن العدل والصلاح وعمارة الأرض، وتحذر من الفساد والاستكبار والطغيان. ومن هنا فإن الخطاب الديني الرشيد هو خطاب أمني بالضرورة، لأنه يحصّن المجتمع ضد التكفير والاستقطاب وتصدير الفوضى، ويؤسس لتعايش سلمي قائم على العدل والمساءلة وكرامة الإنسان.

المشكلة التي يعالجها المشروع

يمكن إجمال المشكلة في ستة مظاهر. المظهر الأول هو الفجوة بين الخطاب الديني والواقع العلمي والمعرفي، إذ تخاطب كثير من المنابر الناس بلغة لا تناسب مستوى تعليمهم وتخصصاتهم، مما ينتج نفوراً أو ازدواجية في القناعات. المظهر الثاني هو ضعف التأهيل الشرعي والعصري للأئمة والخطباء، والاكتفاء بحفظ النصوص دون فهم الواقع وأدوات الاجتهاد ومقاصد الشريعة. المظهر الثالث هو الخطاب الجامد أو المتطرف، إما خطاب لا يلامس هموم الناس، أو خطاب تكفيري واستقطابي يستبيح الدماء ويُعمّق الانقسام. المظهر الرابع هو انفصال رجل الدين عن رجل العلم، مما يولّد صوراً من الجهل المتبادل وسوء الفهم بين القناعات المتقابلة. المظهر الخامس هو غياب منهجية علمية لتجديد الخطاب، والاعتماد على الاجتهادات الفردية والانتقائية، وغياب المعايير الموضوعية للتقييم. المظهر السادس هو ضعف الاستثمار في الكفاءات العلمية، وإهمال فئة المتقاعدين وأصحاب التخصصات العلمية الذين يمكن تأهيلهم لخدمة الخطاب الديني.

ويُعزز فهم هذه المشكلة أن الصراع الأزلي منذ فجر التاريخ هو بين فئتين: أهل ملة إبراهيم — أهل التوحيد والتسليم والمنطق والدليل والحوار والبرهان — وأهل التفاخر بالدنيا — الذين جعلوا غايتهم الزينة والتفاخر والتكاثر في الأموال والأولاد. ونقطة الصدام بين الفئتين هي التفاخر والاستكبار، وهو منطق إبليس نفسه حين قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ (الأعراف: 12). وهذا الصراع هو الذي واجهه إبراهيم مع أبيه وقومه ومع النمرود، وهو نفس الصراع بين موسى وفرعون، وبين محمد ﷺ وأبي جهل وأبي لهب. والخطاب الديني الرشيد هو الذي يربي على منطق ملة إبراهيم: التسليم لله، والحوار بالدليل، ورفض الاستكبار، لا أن يربي على منطق التفاخر والاستعلاء والاستقطاب.

البعد الأمني: لماذا هذا المشروع ضرورة للأمن القومي؟

أولاً: التكفير واستباحة الدماء تهديد مباشر للأمن القومي

إن أخطر ما يواجه الأمن القومي من الداخل ليس الإلحاد الصريح، بل التدين المنحرف الذي يستبيح الدماء باسم الله. فالتكفيريون ليسوا أعداء للدين من خارجه، بل هم أعداء له من داخله، لأنهم يقدمون صورة مشوهة عن الله وعن رسله وعن مشروع الاستخلاف. والنبي ﷺ حذر منهم أشد التحذير، ووصفهم بأنهم «يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان»، وأمر بقتالهم. فمن يستبيح دماء المسلمين ويقتلهم باسم التكفير، هو نفسه من الخوارج الذين حذر منهم النبي ﷺ. وهذا التهديد لا يُواجه بالأمن الأمني وحده، بل بالخطاب الديني الرشيد الذي يجفف منابع التكفير، ويؤسس لفهم صحيح للدين يقوم على الرحمة والعدل وحرمة الدم.

ثانياً: تصدير الفوضى تهديد خارجي يستهدف الأمن القومي

الدول التي تفتعل النزاعات والثورات وتعمل على تصديرها إنما تتحدى ما جاء في القرآن الكريم والكتب السماوية جميعاً؛ لأنها تصدر الفوضى لتتحكم بمصير الشعوب، وهذا هو عين الإفساد في الأرض الذي نهى الله عنه: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ (الأعراف: 56)، وقال: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ (الروم: 41). وقد حذرت الكتب السماوية كلها من إثارة الخصام والفساد: فالتوراة حذرت من إدخال الخطيئة إلى الأرض ولعنت مثيري الخصام بين الإخوة، والإنجيل أوصى بالحذر من الذين يصنعون الشقاق والعثرات، وأكد أن الله ليس إله تشويش بل إله سلام، وقال المسيح: «طوبى لصانعي السلام». فمن يصدّر الثورات والفوضى إنما يتحدى السنن الإلهية التي تقوم على الإصلاح والتربية والتمكين، لا على التخريب والتفجير والتحكم في مصائر الشعوب. ومواجهة ذلك تكون بالخطاب الديني الرشيد الذي يحصّن المجتمع، ويكشف مخططات تصدير الفوضى، ويؤسس لثقافة الإصلاح لا التخريب.

ثالثاً: الشرعية والخبرة والأهلية أساس الأمن السياسي

إن أصول الحكم والقيادة في ضوء المعايير السماوية تقتضي أن الإمامة والقيادة لا تُنال إلا بالتجربة والعمل: ﴿وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ (البقرة: 124). فالترتيب الإلهي واضح: ابتلاء وتجربة أولاً، ثم إمامة. وقال تعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾، أي أن عهد الله بالإمامة لا يُمنح لمن لا تجربة له ولا أهلية. والثورات الشعبية لا تعني بالضرورة أنها متوافقة مع التسلسل الإلهي في كسب الخبرة والمعرفة والتهيئة للحكم؛ فقد يتحرك الناس بحماسة أو غضب أو رغبة في التغيير، لكن التمكين الإلهي لا يقوم على الحماسة وحدها، بل على السنن: التربية، والتجربة، والمعرفة، والأهلية، والعدل، والإصلاح. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11). فالتغيير الشامل يحتاج إلى تربية وإعداد وتمكين، لا إلى اندفاع قد يُفرز قيادات بلا خبرة ولا أهلية، فيقع الظلم ويعود الاستبداد بأسماء جديدة. والخطاب الديني الرشيد هو الذي يربي على هذه السنن، ويحصّن المجتمع ضد الفوضى والاندفاع، ويؤسس لثقافة التغيير المنضبط.

رابعاً: كرامة الإنسان وحرمة الدم أساس الأمن الاجتماعي

إن الله كرّم الإنسان بنفخة الروح: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ (الحجر: 29)، وأمر الملائكة فسجدوا، إلا إبليس الذي قاس بالمادة فاستكبر. فالروح التي في الإنسان أمانة من خالقه، نُفخت فيه لترتفع إلى مستوى التكريم، لا لتهبط إلى مستوى من لا روح له. والذي يقتل الإنسان بغير حق إنما يتحدى الروح التي نفخها الله، ويستبيح ما كرمه الله. قال تعالى: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (المائدة: 32)، وقال النبي ﷺ: «من قذف مؤمناً بالكفر فهو كقتله». فالخطاب الديني الرشيد هو الذي يرسخ حرمة الدم وكرامة الإنسان، ويجعل المسجد نقطة التقاء جامعة لا عزل الشرائح، ويحول دون تحول الدين إلى أداة للاستقطاب والقتل.

أهداف المشروع

الهدف العام للمشروع هو إنتاج خطاب ديني إسلامي علمي، رشيد، جامع، معاصر، قادر على مخاطبة مختلف الشرائح بمستوياتها العلمية والثقافية، وتعزيز التعايش السلمي ومواكبة متطلبات العصر واللحاق بالركب العلمي، دون تفريط في الثوابت أو إخضاع الدين للأهواء، بما يحقق الأمن القومي من داخله ومن خارجه.

ويتفرع عن هذا الهدف العام أهداف فرعية عدة: تأهيل أئمة وخطباء تأهيلاً شرعياً متيناً مع ثقافة عصرية؛ وإدماج الكفاءات العلمية (أطباء، مهندسين، أساتذة، ضباط متقاعدون) في خدمة الخطاب الديني بعد تأهيل معتمد؛ وتطوير مناهج الخطابة والإمامة لتشمل قضايا معاصرة (أخلاقيات الطب، الذكاء الاصطناعي، البيئة، الاقتصاد، الأسرة، حقوق الإنسان)؛ وتعزيز الخطاب الجامع ونبذ خطاب التكفير والاستقطاب؛ وبناء جسور بين المؤسسة الدينية والمؤسسات العلمية والأكاديمية؛ ووضع معايير علمية لتقييم الخطاب الديني وقياس أثره؛ والاستفادة من الخبرات المتقاعدة كطاقة بشرية مؤهلة لخدمة المجتمع.

ويُضاف إلى هذه الأهداف هدف جوهري يعززه المنطلق القرآني والأمني: تربية الخطاب على الشهادة بالعدل بين الأمم، فلا يكون الخطاب الديني شاهد زور مع سلطة أو عرق أو مال، بل شاهداً بالحق كما أمر الله: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (البقرة: 143). وهذا يقتضي أن يكون الخطيب مؤهلاً علمياً وأخلاقياً للشهادة، عارفاً بواقعه وبالعالم من حوله، لا منغلقاً على قومه ولسانه.

الأسس المنهجية للمشروع

يقوم المشروع على عشرة أسس منهجية. الأساس الأول هو الأصالة، أي الانطلاق من النص الشرعي (القرآن والسنة) بفهم علمي منضبط. الأساس الثاني هو المقاصدية، أي مراعاة مقاصد الشريعة (حفظ الدين والنفس والعقل والعرض والمال) في كل خطاب. الأساس الثالث هو العلمية، أي الاعتماد على المنهج العلمي في التحليل والتقييم والتطوير. الأساس الرابع هو الواقعية، أي فهم الواقع وتنزيل النصوص عليه، لا العكس. الأساس الخامس هو الوسطية، أي نبذ الغلو والتطرف والتفريط. الأساس السادس هو الشمولية، أي مخاطبة جميع الشرائح بمستوياتها المختلفة. الأساس السابع هو الاستدامة، أي بناء منظومة متجددة لا مشروعاً ظرفياً. الأساس الثامن هو التعايش، أي جعل الخطاب الديني جسراً للتعايش السلمي لا أداة للاستقطاب. الأساس التاسع هو العالمية، أي أن الخطاب يحمل رسالة عالمية يجب أن يكون مؤهلاً لتبليغها: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ﴾، فلا ينغلق على قوم أو لسان. الأساس العاشر هو البرهان والحوار، أي أن الخطاب يقوم على الدليل والمنطق لا على التقليد الأعمى، اقتداءً بإبراهيم الذي حاور قومه بالحجة: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (الصافات: 95-96)، وطلب اليقين: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ﴾ (البقرة: 260).

مكونات المشروع

التأهيل الشرعي المتين للأئمة والخطباء

يقوم هذا المكون على برنامج أكاديمي معتمد لا يقل عن سنتين إلى أربع سنوات، يشمل مناهج في العقيدة والفقه والتفسير والحديث وأصول الفقه واللغة العربية وفقه الواقع وأخلاقيات الخطاب وعلم النفس التربوي ومهارات التواصل وفقه الأقليات والتعايش. ويُشترط اجتياز اختبارات وشهادة معتمدة، لا مجرد دورة قصيرة، لضمان العمق الشرعي والكفاءة العلمية. ويُعزز هذا المكون بمنهج فقه السنن الإلهية في التمكين، لأن الإمامة والقيادة لا تُنال إلا بالتجربة والعمل: ﴿وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ (البقرة: 124). فالترتيب الإلهي واضح: ابتلاء وتجربة أولاً، ثم إمامة. وهذا يربي الخطيب على أن التأهيل ليس شهادة تُمنح بغير استحقاق، بل خبرة وعملاً واختباراً.

إدماج الكفاءات العلمية

يفتح هذا المكون مساراً خاصاً للكفاءات العلمية (أطباء، مهندسين، أساتذة، ضباط متقاعدون) للالتحاق ببرنامج تأهيل شرعي معتمد. ويشترط في الالتحاق شهادة جامعية واجتياز برنامج التأهيل الشرعي واختبار الكفاءة. والمخرجات هي إمام أو خطيب قادر على مخاطبة أهل تخصصه بلغة تجمع بين العلم والشرع. ولا يُكتفى بسنة أو سنتين، بل يُشترط برنامج معتمد لا يقل عن سنتين إلى أربع، مع اختبارات وشهادة، لضمان العمق الشرعي. ويُستفاد هنا من قاعدة إسماعيلية مهمة: من يُؤخذ رأيه في حالةٍ ما، ينبغي أن يكون قد عاشها أو عاش معانيها. فإسماعيل لم يُستشر لأنه ابن فقط، بل لأنه عاش المشقة والتسليم منذ الطفولة، وشارك أباه في السعي ورفع القواعد: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ (البقرة: 127). فالكفاءة العلمية لا تكفي وحدها، بل يجب أن تُضاف إليها التجربة الشرعية والعملية.

تطوير المناهج والمضامين

يعمل هذا المكون على إدخال قضايا معاصرة في الخطاب، مثل أخلاقيات الذكاء الاصطناعي والطب الحديث والبيئة والاقتصاد وحقوق الإنسان والأسرة والتعايش. كما ينتج مراجع وموسوعات خطابية علمية محررة، ويبني بنك خطب ومحاضرات مصنف حسب الموضوع والجمهور، ويطوّر لغة الخطاب لتكون عصرية وحوارية ومقنعة وبعيدة عن التعقيد والاستفزاز. ويُعزز هذا المكون بمضامين الأمن القومي من منظور سماوي، إذ يشكل فهم أصول الحكم والقيادة في ضوء المعايير السماوية ضرورة استراتيجية للأمن القومي. فالخطاب الديني الرشيد لا يقتصر على العبادات، بل يعالج قضايا الحكم والقيادة والعدل والفساد، ويحذر من تصدير الفوضى والثورات كأداة للتحكم بمصير الشعوب، لأن ذلك من الإفساد في الأرض الذي نهى الله عنه: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ (الأعراف: 56).

تعزيز الخطاب الجامع والتعايش

يدرّب هذا المكون الخطباء على الخطاب الجامع الذي يخاطب جميع الشرائح دون استقطاب، ويعقد ندوات حوارية بين رجال الدين والعلماء والمفكرين، وينتج محتوى إعلامياً يعزز التعايش ونبذ التكفير. ويؤكد أن المسجد يجب أن يكون نقطة التقاء لكل الشرائح، لا عزلها في أحياء منعزلة. ويستند هذا المكون إلى وحدة الرسالات السماوية: فكل الأديان التي جاءت بعد إبراهيم هي في جوهرها أديان مسلمة، قائمة على الاستسلام لله وحده، وإن اختلفت الشرائع والمناهج: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (المائدة: 48). والقرآن يأمر بالإيمان بكتب الله ورسله جميعاً بلا تفريق: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾ (البقرة: 285). وهذا يربي الخطاب على التعايش مع أتباع الرسالات الإبراهيمية على أساس المشتركات الأخلاقية، مع حفظ الفروق اللاهوتية والقانونية، لا على الاستقطاب والتكفير.

التقييم والقياس

يضع هذا المكون معايير علمية لتقييم الخطاب (الوضوح، الأصالة، الملاءمة، الأثر)، ويجري دراسات ميدانية لقياس أثر الخطاب في الجمهور، ويصدر تقارير دورية للتطوير والتحسين. ويُضاف إلى هذه المعايير مقياس الأثر الأمني والاجتماعي: هل ساهم الخطاب في تعزيز التعايش السلمي؟ هل قلّل من خطاب التكفير والاستقطاب؟ هل عزز الثقة بين رجل الدين ورجل العلم؟ وهل حصّن المجتمع ضد تصدير الفوضى والإفساد؟

البنية المؤسسية

يقوم هذا المكون على مجلس علمي أعلى يضم علماء شرعيين وخبراء في التربية وعلم الاجتماع والعلوم الحديثة، ومركز أبحاث متخصص في الخطاب الديني، وشراكات مع الجامعات والمؤسسات الدينية والإعلامية. ويُعزز هذا المكون بإنشاء وحدة للدراسات الاستراتيجية في الخطاب الديني والأمن القومي، تعنى بتحليل الخطاب الديني في ضوء السنن الإلهية والمعايير السماوية، وترصد محاولات تصدير الفوضى والاستقطاب، وتقدم توصيات استراتيجية لمواجهتها بالعلم والحكمة.

مراحل التنفيذ

تمر مرحلة التأسيس والتخطيط في ستة أشهر وتنتج الهيكل المؤسسي والمناهج والمعايير. ثم تأتي مرحلة التأهيل التجريبي في سنة وتنتج أول دفعة من الأئمة والخطباء المؤهلين. ثم مرحلة التوسع في سنتين إلى ثلاث سنوات وتغطي عدداً أكبر من المساجد والمناطق. ثم مرحلة التقييم والتطوير وهي مستمرة وتنتج تقارير الأثر وتحديث المناهج.

مؤشرات النجاح

تشمل مؤشرات النجاح ارتفاع مستوى رضا الجمهور عن الخطاب الديني وفق دراسات ميدانية، وزيادة عدد الأئمة والخطباء الحاصلين على تأهيل معتمد، وانخفاض خطاب التكفير والاستقطاب في المنابر، وإدماج عدد من الكفاءات العلمية في الخطابة والإمامة، وإنتاج مراجع وموسوعات خطابية معتمدة، وتعزيز التعايش السلمي في المناطق المستهدفة. ويُضاف إليها مؤشر تحصين المجتمع ضد خطاب الفوضى والإفساد، وتعزيز الشهادة بالعدل بين الأمم، وترسيخ فهم السنن الإلهية في التمكين والتغيير، وبناء جسور التعاون مع أتباع الرسالات الإبراهيمية على أساس المشتركات الأخلاقية، وانخفاض معدلات الاستقطاب والتكفير والعنف الديني.

التحديات والحلول

يواجه المشروع تحديات عدة. مقاومة التغيير من بعض التيارات تواجهها بالحوار والتدرج والإقناع، اقتداءً بمنهج إبراهيم في الحوار بالحجة. وضعف التمويل تواجهه شراكات مع مؤسسات وأوقاف وجهات داعمة. وقلة الكفاءات المؤهلة تواجهها استثمار المتقاعدين والكفاءات العلمية بعد تأهيل. والانتقائية في التطبيق تواجهها معايير علمية واضحة ورقابة مؤسسية. وخطر تحويل المشروع إلى شكلية يواجهه التقييم المستمر وربط النتائج بالأثر. وتعميق الانغلاق الطبقي بتقسيم الأحياء يواجهه جعل المسجد نقطة التقاء جامعة لا عزل الشرائح. وخطر تسييس الخطاب الديني يواجهه ترسيخ الشهادة بالعدل ورفض تأليه السلطة أو الحزب أو العرق، لأن الطغيان السياسي يبدأ من تضخم الذات حتى تظن أنها فوق المساءلة، كما كان فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ﴾ (النازعات: 24). وخطر تحول الخطاب إلى أداة لتصدير الفوضى يواجهه الخطاب الجامع القائم على الإصلاح والتربية والتمكين، لا على التخريب والتفجير.

الرؤية المستقبلية

الرؤية المستقبلية هي مجتمع يخاطبه دينه بلغة عقله، ويجتمع فيه رجل الدين ورجل العلم على مائدة الحوار والعلم، وينتج خطاباً دينياً رشيداً يعزز التعايش ويواكب العصر، دون تفريط في الثوابت أو إخضاع الدين للأهواء. مجتمع يربي خطابه على ملة إبراهيم: التوحيد، والحوار بالدليل، ورفض الاستكبار، والمسؤولية الفردية، والعالمية التي تفتح البيت والنبوة والرسالة للناس جميعاً. مجتمع يكون فيه الخطاب الديني شاهداً بالعدل بين الأمم، لا شاهد زور مع سلطة أو عرق أو مال، ولا أداة لتصدير الفوضى والتحكم بمصير الشعوب. مجتمع يحفظ فيه الإنسان روحه التي نفخها الله فيه، فيعيش بمستوى التكريم لا بمستوى من لا روح له، ويصون دمه وعرضه وكرامته، ويحصّن أمنه القومي من داخله قبل أن يُهدده من خارجه.

الخلاصة

هذا المشروع ليس مجرد دورات تأهيلية أو تقسيم أحياء، بل منظومة علمية متكاملة تعيد بناء الخطاب الديني على أسس الأصالة والمعاصرة والعلمية والوسطية والعالمية والبرهان، وتستثمر في الإنسان (الإمام والخطيب) وفي المنهج (المناهج والمعايير) وفي المؤسسة (المركز والمجلس العلمي) وفي الجمهور (التقييم والأثر)، ليكون الخطاب الديني موازياً للمستوى العلمي وقادراً على التعايش مع متطلبات العصر وملتحقاً بالركب العلمي دون أن يفقد هويته أو ثوابته، ومحصّناً للأمن القومي من داخله ومن خارجه.

إن الارتقاء بالخطاب الديني ليس ترفاً فكرياً، بل هو ضرورة حضارية وشرعية وأمنية، لأن الخطاب الذي لا يفهم واقعه ولا يخاطب عقول الناس بلغة عصرهم، يعجز عن أداء وظيفته في الهداية والإصلاح، وقد يتحول إلى مصدر للاستقطاب والانقسام بدلاً من أن يكون جسراً للتعايش والبناء. وقد بلغت عاد وثمود وفرعون ذروة القوة والعمران، لكنها كذبت رسل الله وطغت، فلم تغنِ عنها منجزاتها: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَىٰ * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَىٰ﴾ (النازعات: 37-39). فالقوة بلا إيمان وعدل طريق إلى الهلاك، والخطاب الديني الرشيد هو الذي يربي على التوحيد والعدل والمساءلة وكرامة الإنسان وحماية الفطرة والأسرة والأخلاق، ويستعد ليكون شاهداً بالعدل بين ملة إبراهيم والأمم القادمة، لا حاكماً بالوراثة ولا وصياً على الله.

والقرآن في هذا كله ليس كتاباً لقوم، بل كتاب لمسار عالمي: يؤمن بكتب الله ورسله جميعاً، ويأمر باتباع ملة إبراهيم، ويجعل الأمة الوسط شاهدة على الناس، ويستعد أفرادها ليكونوا شهداء بالعدل. وهذا يبقى في دائرة التدبر والاجتهاد، لا في دائرة القطع واليقين. والميزان الإلهي ثابت لا يتغير: الخبرة قبل القيادة، والتجربة قبل التمكين، والأهلية قبل المسؤولية، والعلم قبل الخطاب، والعدل قبل الشهادة، وحرمة الدم قبل كل شيء: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: 124).

﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (البقرة: 128).

تضامن واستنكار

يتابع العالم ببالغ الحزن والأسى الحادث الإجرامي في بلدة حمود بمحافظة الكرك، مؤكداً أن الأردن سيبقى وطن المحبة والتآخي والتسامح. وتُعرب الإنسانية جمعاء عن تضامنها مع أهالي الشهداء والمصابين، مؤكدةً أن قوة المجتمع الأردني تكمن في تماسك نسيجه الاجتماعي وروابط الأخوة والتكافل بين أبنائه، وأن هذه القيم ستبقى راسخة مهما اشتدت التحديات. وهنا لا تكفي كلمات الاستنكار، بل يجب التذكير بأن الملة الإبراهيمية كلها مسلمة لله، وأن كل من يصلي فقد اتخذ مقام إبراهيم مصلى ووجهةً يُحتذى بها، وتنفيذاً لأمر إلهي. فمن استباح الدم الحرام فقد خرج عن ملة إبراهيم وعن صلاته، لأن الصلاة الحقة صلة بالله ورحمة بالخلق، لا ذريعة للقتل. ووجب علينا تقديم مشروع يُنتج خطاباً دينياً رشيداً ضمن ميزان الأمن القومي — مشروع علمي للحاق بركب "الفهم والتعايش السلمي المجتمعي". رحم الله الشهداء، وشفى المصابين، وأعاد الأمن والسلام إلى الأردن وكل العالمين.

* مؤسس شبكة الابتكار الاستخباراتي الجماعي العابر للحدود (SAMANSIC)
* كبير مهندسي الابتكار السيادي، التكنولوجيا، والاستراتيجية الجيوسياسية
www.siina.org





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :