مصر التي أحببتها منذ عام 2002 .. والمصريون الذين يستحقون منا الوفاء
أ.د. أحمد منصور الخصاونة
19-10-2026 10:23 AM
أكتب اليوم عن مصر التي أحببتها، وعن المصريين الذين عرفتهم عن قرب، وعن عامل مصري بسيط أعاد إلى ذاكرتي أكثر من أربعة وعشرين عامًا من المحبة والاحترام لهذا الشعب العظيم. ففي عام 2002، كنت أدرس الدكتوراه في أستراليا، وحصلت على دعم من مشرفتي للمشاركة في مؤتمر علمي في القاهرة لعرض نتائج أبحاثي. وأذكر يومها أن رئيس القسم، وهو أسترالي، سألني مستغربًا: لماذا تذهب إلى مصر؟ اذهب إلى أوروبا أو أمريكا واعرض أبحاثك هناك، فمصر، بحسب اعتقاده آنذاك، لا تحظى العلوم فيها بالاهتمام الكافي. لم أقتنع بكلامه، وكانت لديّ أيضًا رغبة في المرور بالأردن خلال رحلتي، فقررت الذهاب إلى القاهرة. ويا لها من رحلة! ... قضيت عشرة أيام من أجمل أيام حياتي، تجولت خلالها في شوارع القاهرة وأحيائها، وتعرفت إلى أهلها، وأكلت الكشري المصري، وجلست مع أناس لم أكن أعرفهم، لكنني شعرت بينهم وكأنني أعرفهم منذ سنوات.
اكتشفت يومها أن مصر ليست مجرد بلد نزوره، بل بلد يدخل القلب ويستقر فيه، وأن المصريين ليسوا مجرد شعب مضياف، بل أصحاب قلوب طيبة ونفوس كريمة ومحبة صادقة. ومنذ ذلك العام، لم تنقطع زياراتي إلى مصر، فأزورها مرة أو مرتين كل عام تقريبًا. ورغم أنني زرت دولًا كثيرة حول العالم، من الولايات المتحدة الأمريكية إلى نيوزيلندا والصين، ومعظم أنحاء أوروبا والعديد من الدول العربية، فإن لمصر في نفسي مكانة لا تشبه أي مكان آخر. في مصر أشعر براحة لا أجدها في كثير من البلدان، ليس بسبب الأماكن أو الفنادق أو المعالم السياحية، وإنما بسبب الإنسان المصري، ببساطته وطيبته وخفة دمه وكرمه وحسن تعامله.
ولم تتوقف معرفتي بالمصريين عند حدود زياراتي لمصر، بل إنني أتعامل معهم يوميًا في الأردن.
في النادي الرياضي ألتقي بالكابتن أسامة البندري أو الكابتن سامي (كما يحب)، وفي الأسواق والمحلات والورش والمزارع ومواقع البناء ألتقي برجال مصريين يعملون بصمت، ويكافحون بشرف، ويسعون وراء لقمة العيش الحلال. هؤلاء رجال حملوا الحجر والرمل والإسمنت، وبنوا بيوتًا وعمارات، وساهموا في عمران الأردن ونهضته، وحرثوا الأرض وزرعوها وحصدوا ثمارها، وعملوا في أشق المهن وأكثرها تعبًا. كم من بيت أردني شاركت في بنائه سواعد مصرية؟ وكم من مزرعة أردنية ارتوت بعرق عامل مصري؟ وكم من مشروع قام على أكتاف رجال تركوا أبناءهم وأمهاتهم وزوجاتهم خلفهم، وجاؤوا إلى الأردن بحثًا عن رزق شريف؟
هؤلاء لا يطلبون المستحيل، ولا يبحثون عن الرفاهية. كثير منهم يعيش بأقل القليل، ويوفر من قوت يومه ليرسل ما يستطيع إلى أسرته في مصر. تجد العامل المصري يعمل تحت شمس الصيف الحارقة وفي برد الشتاء القارس، يتحمل المشقة، ويبتسم رغم التعب، ويقول لك بكل محبة: «حاضر يا باشا، من عيوني».
لكن ما حدث قبل يومين جعلني أتوقف طويلًا، وأتساءل: هل ننصف فعلًا هؤلاء الذين أفنوا أعمارهم في خدمتنا والعمل بيننا؟
في منطقتنا عامل مصري بسيط يعمل في غسيل السيارات، رجل في قمة الأدب والأخلاق، عرفناه بطيبته واحترامه واجتهاده. قبل يومين، فوجئت باختفائه من المكان، وعندما سألت عنه علمت أن موظفي وزارة العمل ضبطوه بسبب مخالفة تتعلق بتصريح عمله، وتم اقتياده إلى أحد المراكز الأمنية، ثم نقله بين مراكز أخرى. حاولت الوصول إليه للاطمئنان عليه، وهنا لا بد أن أسجل بكل احترام وتقدير حسن تعامل رجال الأمن العام الأردني، الذين تعاونوا معي وساعدوني في معرفة مكان وجوده، حتى تمكنت من زيارته والاطمئنان عليه. ولكن المفاجأة المؤلمة كانت عندما علمت أن غرامة مقدارها خمسة آلاف دينار قد ترتبت عليه بسبب مخالفة تصريح عمله، وفق ما وصلني من معلومات.
خمسة آلاف دينار! ... هل نتخيل ماذا يعني هذا المبلغ لعامل بسيط يغسل السيارات ليجمع بضعة دنانير في نهاية يوم طويل وشاق؟ ... كم سيارة يحتاج أن يغسل؟ وكم شهرًا أو عامًا يحتاج أن يعمل ليسدد هذا المبلغ؟ وماذا سيبقى لأطفاله وأسرته الذين ينتظرون منه ما يسد احتياجاتهم؟
أنا لا أدعو إلى مخالفة القانون، ولا أطالب بإعفاء أحد من الالتزام بالأنظمة والتعليمات، فسيادة القانون أساس الدولة، وتنظيم سوق العمل وحماية حقوق العمال وأصحاب العمل مسؤولية وطنية لا خلاف عليها. ... لكنني أؤمن أيضًا بأن العدالة ليست في تطبيق النصوص وحدها، وإنما في التناسب بين المخالفة والعقوبة، وفي مراعاة الظروف الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية.
ومن حقنا أن نتساءل: هل من المعقول أن يتحمل عامل محدود الدخل غرامة بهذا الحجم بسبب مخالفة تتعلق بتصريح عمله؟ وهل توجد آليات قانونية لتسوية أوضاعه أو تخفيف العبء عنه؟ وهل أُتيحت له فرصة حقيقية لتصويب المخالفة؟ .. وهل من الإنصاف أن يتحول سعي الإنسان وراء لقمة العيش إلى عبء مالي قد يعجز عن سداده لسنوات؟
إنني أتمنى على معالي وزير العمل والجهات المعنية مراجعة هذه الحالة، والتحقق من الأساس القانوني للغرامة وظروف فرضها، والنظر في أي إمكانية قانونية لتصويب وضع هذا العامل ومراعاة ظروفه الإنسانية. كما أتمنى إعادة النظر في الآليات التي تعالج بها مخالفات تصاريح العمل، بما يحقق احترام القانون ويحفظ هيبة الدولة، دون أن تتحول العقوبات إلى أعباء تفوق قدرة العمال البسطاء على الاحتمال. وأقولها بكل اعتزاز: إخوتنا المصريون ليسوا غرباء عنا. بين الأردن ومصر تاريخ طويل من الأخوة والمحبة والمواقف المشتركة، وما يجمع الشعبين أكبر من حدود الجغرافيا، وأعمق من العلاقات الرسمية.
نحن الأردنيين عندما نزور مصر نجد المحبة والترحيب والاحترام، ونشعر أننا بين أهلنا وإخواننا. ومن واجبنا أن نقابل هذه المحبة بمثلها، وأن نحفظ كرامة المصريين الذين يعيشون ويعملون بيننا. ليس من الوفاء أن ننسى عرق من بنى، وتعب من زرع، وجهد من حمل على كتفيه أثقالًا ربما عجز كثيرون عن حملها. وليس من العدل أن ننظر إلى العامل المصري باعتباره مجرد تصريح عمل ورقم في سجلات العمالة الوافدة، بل علينا أن نراه إنسانًا له أسرة وكرامة وأحلام ومسؤوليات. فخلف كل عامل مصري في الأردن حكاية كفاح، وخلف كل دينار يوفره طفل ينتظر، وأم تدعو، وأسرة تتطلع إلى حياة أفضل.
رسالتي اليوم ليست ضد وزارة العمل، ولا ضد تطبيق القانون، وإنما هي دعوة إلى الرحمة والإنصاف والحكمة في تطبيقه. فالأردن الذي نعتز به هو أردن النخوة والمروءة والكرامة الإنسانية، والأردنيون الذين عُرفوا بطيبهم وكرمهم أولى الناس بأن يقفوا إلى جانب إخوانهم الذين شاركوهم لقمة العيش وتعب السنين.
إلى مصر التي أحببتها منذ أول زيارة عام 2002، وإلى شعبها الذي لم أجد منه إلا كل خير ومحبة واحترام: لكم في القلب مكانة لا تتغير. وإلى كل عامل مصري شريف على أرض الأردن: شكرًا لتعبكم، شكرًا لعرقكم، شكرًا لما قدمتموه لهذا البلد، وشكرًا لأنكم كنتم وما زلتم إخوة لنا قبل أن تكونوا ضيوفًا أو عاملين بيننا.
وأختم بسؤال أضعه أمام أصحاب القرار: إذا كان العامل المصري قد حمل على كتفيه حجر البناء، وأكياس الإسمنت، وأثقال العمل طوال سنوات، فهل من العدل أن نضع على كتفيه اليوم غرامة قدرها خمسة آلاف دينار قد لا يقوى على حملها؟
طبقوا القانون، نعم… ولكن لا تنسوا الإنسان.
حفظ الله الأردن ومصر، وأدام المحبة والأخوة بين الشعبين الشقيقين.