facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الكرك: حين يُستهدف الأمن، تتجلى هيبة الدولة


فيصل تايه
26-10-2026 09:56 AM

لم تكن الجريمة التي استهدفت كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك اعتداءً على أرواح مواطنين فحسب، بل كانت مساساً بحرمة مكان للعبادة، وجرحاً في وجدان الأردنيين الذين يرون في أمن الإنسان وكرامته وصون دور العبادة ركائز راسخة في أمن الوطن واستقراره.

ومع إعلان الجهات الرسمية القبض على المتهمين الثلاثة، عقب جهود أمنية واستخباراتية ومواجهة مسلحة، دخلت القضية مرحلة جديدة. فقد أظهرت عملية الملاحقة قدرة الأجهزة المختصة على التعامل مع تهديد خطير، وأكدت أن حماية أمن المواطنين واستقرار الوطن مسؤولية تتطلب اليقظة والعمل المؤسسي المتواصل.

لكن أهمية هذا التطور لا ينبغي أن تحجب ما ينتظر القضية من استحقاقات. فالقبض على المتهمين خطوة مهمة، لكنه لا يكشف وحده دوافع الجريمة وخلفياتها، ولا يغني عن استكمال التحقيقات وتحديد المسؤوليات استناداً إلى الأدلة والقرائن. وتبقى سيادة القانون، واستكمال التحقيقات، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، هي المعايير التي تُقاس بها نهاية القضية وهيبة الدولة، لا سرعة الملاحقة وحدها.

وهنا تحديداً تتجلى هيبة الدولة: في قدرتها على فرض الأمن، ثم كشف الحقيقة كاملة، وضمان أن يأخذ القضاء مجراه باستقلال ونزاهة، من دون انتقائية أو استباق للأحكام. فالدولة القوية لا تستبدل نتائج التحقيقات بتفسيرات جاهزة، بل تستمد قوتها من رصانة مؤسساتها، وثقة الناس بأن القانون سيُطبّق، وأن العدالة لن تخضع للتسويف أو التهاون.

ومن واجب الخطاب الوطني في هذه اللحظة أن يصون حق المجتمع في المعرفة، وأن يمنع استغلال الفاجعة في سجالات طائفية أو إقليمية لا تخدم الحقيقة ولا تنصف الضحايا. فالمسؤولية تقتضي ضبط الخطاب والتحقق من المعلومات، وعدم ترك المجال للشائعات كي تملأ فراغاً لا ينبغي أن تملأه إلا الحقائق الموثوقة.

ولا يقل عن ذلك أهمية أن تبقى وحدة الأردنيين حصناً في وجه الفتنة ومحاولات بث الفرقة. فالمسلمون والمسيحيون في هذا البلد ليسوا مجرد جيران، بل شركاء في التاريخ والمصير، وأمنهم وكرامتهم جزء لا يتجزأ من المواطنة الأردنية الجامعة. وما أصاب أبناء الكرك أصاب وجدان الأردن كله؛ لأن حرمة الدم لا تتجزأ، ولأن جريمة يرتكبها أفراد لا يجوز أن تتحول إلى ذريعة للتشكيك في نسيج مجتمعي رسّخته عقود من العيش المشترك.

لقد أكدت الكرك، بأهلها ووعيهم، أن تماسك الأردنيين ليس مجرد شعار يُرفع في الأوقات الصعبة، بل مسؤولية وطنية تتجلى حين يصبح الحفاظ على الوحدة ضرورة لا تحتمل المساومة. فمواجهة الجريمة والإرهاب لا تكون بالحسم الأمني وحده، بل أيضاً برفض التحريض، ومواجهة الشائعات بالوعي، والالتفاف حول دولة القانون.

وعلى المدى البعيد، تظل مواجهة التطرف مسؤولية مستمرة تتطلب، إلى جانب الردع الأمني والقضائي، معالجة الأفكار التي تبرر العنف، وتعزيز ثقافة المواطنة واحترام كرامة الإنسان. فالملاحقة تحاسب من تثبت مسؤوليته عن الجريمة، أما الوقاية الفكرية والمجتمعية فتسهم في حماية الوطن من تكرار المأساة. ولا يغني أحد المسارين عن الآخر.

إن ما حدث في الكرك يضع الدولة والمجتمع أمام مسؤولية واضحة: استكمال التحقيقات، وصون حقوق الضحايا، وترك الفصل في المسؤوليات للقضاء، والحفاظ على التماسك الوطني. فالمطلوب ليس تجاوز الألم سريعاً، بل تحويله إلى إصرار على العدالة، ورفض للعنف، وتمسك بسيادة القانون.

فهيبة الدولة لا تكتمل بالقبض على المتهمين، بل بكشف الحقيقة ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته وفق القانون. وقوة الأردن لا تتجلى في مواجهة الجريمة وحدها، بل في حماية وحدته الوطنية ومنع الألم من التحول إلى انقسام. تلك هي المسؤولية التي تفرضها مأساة الكرك، وذلك هو الوفاء الحقيقي لضحاياها.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :