غادي ايزنكوت الذي سيهزم نتنياهو
د. علي عبدالسلام المحارمة
26-10-2026 10:07 AM
كباحث متخصص بالشأن الإسرائيلي ومتابع لاستطلاعات الرأي التي تجري باستمرار هناك؛ لم أجد في تلك الاستطلاعات حصة مؤثرة لحزب (يشار) الاستقامة قبل أشهر من الآن، لكن الحزب الجديد الذي تأسس قبل عام واحد فقط أخذت حصته بالتصاعد الدراماتيكي في استطلاعات الرأي لدرجة أنه اليوم مرشح لحصد 22 مقعداً من مقاعد الكنيست ال120؛ ومتفوقاً على الليكود بقيادة نتياهو الذي يُتوقع حصوله على 19 مقعداً.
مؤسس الحزب غادي ايزنكوت انشق عن حزب (هَمَحَنِه هَمَمْلاَخْتِي) الوحدة الوطنية بقيادة بني جانس وذلك على خلفية انتقاده لأدائه السياسي المرتبك وسعيه لاستقطاب وخطب ود اليمين المتشدد، والتهاون في قضية التحقيق الجاد والعميق بالسابع من أكتوبر.
غادي ايزنكوت ولد لأسرة يهودية مغربية عام 1960 وتدرج في السلك العسكري وحارب في قطاعات وألوية ومواقع متعددة أبرزها لواء جولاني، ووصل عام 2015 لموقع رئيس هيئة الأركان كأول رئيس لها من أصول مغربية.
ونقطة التحول الكبير في مواقف ايزنكوف واليسار هي إعلانه في شهر تموز الماضي الخطوط العريضة لشروط انضمامه لأي ائتلاف حكومي مستقبلاً، والتي تقوم على المحاور الرئيسية التالية:
"الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية وديمقراطية، وتأييد قيّم إعلان الاستقلال، والالتزام بأداء جميع الإسرائيليين الخدمة الوطنية".
إن هذه المحاور قضّت مضاجع السياسيين الإسرائيليين خلال العقد الماضي، وكان لها أثرها الكبير في تراجع اليسار بل تلاشي وجوده وأثره لصالح اليمين المتطرف، حيث لم تكن هناك مواقف واضحة صارمة معلنة تجاه قضايا هوية الدولة، والتهاون تجاه الإخلال بمبادئ وقيّم الإعلان الذي تم بموجبه تأسيس الدولة، وكذلك الميوعة السياسية لدى اليسار تجاه منح امتيازات وتسهيلات لبعض فئات المجتمع وأبرزها إعفاء المتدينين من الخدمة العسكرية.
إن هذا الإعلان كان بمثابة صحوة لليسار؛ وعندما استخدم كلمة اليسار اليوم لا أقصد الاعتدال تجاه العرب البتة، بل اليسار المتطرف أيضاً.
والشاهد على ذلك رفض ايزنكوت المطلق الاعتماد على أصوات العرب داخل الكنيست لتشكيل ائتلافه الحكومي، واختصار مفاوضاته على الأحزاب الصهيونية فقط، ناهيك عن رفضه الحازم لقيام دولة فلسطينية، وحتى مواقفه تجاه غزة ليست مختلفة كثيراً عن تطرف نتنياهو وسموتريتش وبن غفير باستثناء أنه يقدم حلاً تنفيذياً يقوم على إبقاء إسرائيل ممر آمن لها داخل القطاع دون احتلاله بشكل كامل.
إن هذا الرجل استطاع محاكاة مخاوف اليسار الاجتماعي الإسرائيلي من ممارسات المستوطنين وجرائمهم التي تجلب العزلة والعداء لإسرائيل، وهو يطالب في برنامجه بوقف (الإرهاب اليهودي) الذي يمارسه المستوطنون، كما أنه يسعى لتقديم نموذجاً من النزاهة السياسية البعيدة عن ممارسات الفساد والابتزاز الذي ساد طوال مرحلة نتنتياهو، ولذلك يقدم طرحه لتحديد مدد معلنة لرئاسة الحكومة وعدم تركها على الإطلاق.
الانتخابات ستجري غداً، والأرجح أنها ستفضي لتكليف ايزنكوف بتشكيل الحكومة، لكن خصومه لن يمهدوا له الطريق بالورود، فثمة الكثير من الأشواك والمعيقات التي يجهزونها له من الآن، لا سيّما وأن أصوله سفاردية شرقية من يهود البلاد العربية، والذين بقيّ تمثيلهم محصوراً بنموذج شاس الذي يبحث عن مكاسب خدمية واجتماعية لاتباعه دون ولوج محاور العملية السياسية ومفاصلها.
وربما سيتمكن من جمع كل الذين ضاقوا ذرعاً من حقبة نتنياهو المليئة بالفساد والحروب والدمار، ومن استنزاف رصيد إسرائيل في الخارج من التأييد والتعاطف الفطري الذي ساد في الغرب لسبعين سنة وأكثر.