facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




من الكرك سؤال إلى الدولة: حين يغيب التنوير تحضر العتمة


د. سيف النوايسة
25-10-2026 09:58 AM

* نحو مشروع وطني لبناء الإنسان ومواجهة التطرف في عصر الذكاء الاصطناعي

لم يعد كافيًا أن نستنكر الإرهاب وندين مرتكبيه، ثم نعود إلى حياتنا وكأن شيئًا لم يكن. فما شهدته محافظة الكرك من اعتداء إرهابي استهدف كنيسة في قرية حمود، يجب أن يدفعنا إلى طرح أسئلة وطنية أكثر عمقًا: أين دور مؤسساتنا التعليمية والثقافية؟ وأين الجامعات من بناء الوعي؟ وإلى أي مدى نجحت الحكومات في الوصول إلى الإنسان في المحافظات والأطراف، ليس بالخدمات والمشروعات وحدها، بل بالفكر والثقافة والتنوير؟ إن الاعتداء على كنيسة ليس اعتداءً على مكان للعبادة فحسب، بل على قيم المواطنة والعيش المشترك، وعلى إرث تاريخي من التآخي الإسلامي المسيحي الذي يشكل جزءًا أصيلًا من الهوية الأردنية. والسؤال الأهم: كيف يجد الفكر المتطرف طريقه إلى بعض العقول ونحن نعيش في عام 2026، في عصر الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي؟ إن الفقر والبطالة والتهميش وضعف التعليم ليست مبررات للإرهاب، ولا تعني أن المجتمعات الأقل حظًا حاضنة للتطرف، لكنها قد تخلق، حين تقترن بالفراغ الثقافي وضعف فرص المشاركة، بيئات تستغلها الأفكار المتشددة لاستقطاب الشباب. وهنا تبدأ مسؤولية الدولة بمؤسساتها كافة.

أولًا: الجامعات... من مؤسسات تمنح الشهادات إلى منارات تصنع الوعي

لقد توسعت جامعاتنا في البرامج والتخصصات، لكن هل توسع دورها الثقافي والفكري بالمقدار ذاته؟ وهل أصبحت الجامعات الحكومية في المحافظات مراكز إشعاع تنويري، أم انكفأت خلف أسوارها وانشغلت بالتدريس والامتحانات والترقيات الأكاديمية؟ إن الجامعة في الكرك والطفيلة ومعان والمفرق وغيرها يجب أن تكون مركزًا ثقافيًا مفتوحًا للمجتمع، تنظم الحوارات الفكرية والندوات الثقافية، وتصل بأساتذتها وطلبتها إلى القرى والبلدات لنشر ثقافة المواطنة والتسامح والتفكير النقدي. وفي عصر التكنولوجيا، لم تعد المسافات عائقًا؛ إذ تستطيع الجامعات عبر المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي إيصال المعرفة إلى أبعد التجمعات السكانية. ونحتاج هنا إلى مشروع وطني بعنوان ) الجامعة إلى المجتمع (يجعل التنوير المجتمعي جزءًا أصيلًا من رسالة الجامعة. كما ينبغي مراجعة البيئة الجامعية والانتخابات الطلابية، لتصبح ساحة للتنافس الفكري والبرامجي، لا للاصطفافات الضيقة والولاءات المناطقية والاجتماعية. فالجامعة التي لا تعلّم طلابها ثقافة الاختلاف واحترام الرأي الآخر، لن تستطيع قيادة المجتمع نحو التعايش.

ثانيًا: وزارة التربية والتعليم... نحتاج إلى قادة فكر لا موظفين بدرجات عليا

إن إصلاح التعليم لا يبدأ بتغيير المسميات والهياكل التنظيمية أو تحديث الإجراءات، بل بتغيير فلسفة التعليم وطبيعة القيادات التي تديره. نحن بحاجة إلى قيادات تربوية تحمل فكرًا تنويريًا وثقافة واسعة وانفتاحًا على العالم، وتمتلك شجاعة التغيير، لا إلى مسؤولين تقتصر مهمتهم على تطبيق الأنظمة والتعليمات وإدارة العمل اليومي. إن المدرسة يجب أن تنتقل من تلقين المعلومات إلى بناء العقل الناقد، وتعليم الطالب كيف يسأل ويناقش ويحترم الاختلاف، ويميز بين المعرفة والتضليل. ويتطلب ذلك مراجعة إعداد المعلمين والمناهج والأنشطة المدرسية، وإعطاء الثقافة والفنون والمناظرات والتربية المدنية مكانتها الحقيقية. فالدولة التي تريد تعليمًا يصنع المستقبل، تحتاج إلى قادة يصنعون الأفكار، لا إلى إداريين يكتفون بإدارة الواقع.

ثالثًا: المحافظات والأطراف... حين تصبح التنمية قضية أمن فكري واجتماعي

لا يمكن بناء مجتمع مستقر ومنفتح مع استمرار الفجوات التنموية والثقافية بين العاصمة والمحافظات. فالتنمية لا تُقاس بعدد الطرق والمباني والمشروعات فقط، بل بما توفره للإنسان من فرص العمل والمعرفة والثقافة والمشاركة. كم مركزًا ثقافيًا فاعلًا يوجد في القرى البعيدة؟ وكم فرصة يجدها الشباب للمشاركة في الحوارات الفكرية والأنشطة العلمية والثقافية؟ وكم مرة يصل المسؤولون إلى هذه المجتمعات للاستماع إلى أبنائها بعيدًا عن الزيارات البروتوكولية؟ إن المطلوب إعادة صياغة التنمية المحلية لتصبح المحافظات مراكز اقتصادية وثقافية منتجة، مع دور حقيقي للقطاع الخاص في الاستثمار وخلق فرص العمل ودعم حاضنات الابتكار والمراكز الثقافية والتدريب الرقمي. إن العدالة في توزيع الفرص ليست قضية اقتصادية فحسب، بل ركيزة للاستقرار الاجتماعي والأمن الوطني، مع التأكيد أن التطرف ظاهرة معقدة لا يجوز اختزالها بالفقر أو البطالة أو ربطها بمجتمع محلي بعينه.

رابعًا: في عصر الذكاء الاصطناعي... كيف نبقى أسرى الفكر المغلق؟

نعيش في زمن تتسارع فيه ثورات المعرفة والذكاء الاصطناعي، بينما لا تزال بعض العقول أسيرة الانغلاق والإقصاء ورفض الآخر. إن امتلاك التكنولوجيا لا يعني امتلاك الوعي، وانتشار الهواتف الذكية لا يعني انتشار التفكير النقدي؛ بل قد تتحول التكنولوجيا إلى وسيلة لنشر الكراهية والتضليل إذا غابت التربية الرقمية والثقافة المعرفية . لذلك، يجب ألا يقتصر التحول الرقمي على أتمتة الخدمات الحكومية، بل ينبغي أن يمتد إلى التحول الثقافي والمعرفي للمجتمع، من خلال منصات وطنية تفاعلية ومحتوى معرفي معاصر يصل إلى الشباب في جميع المحافظات. فما قيمة أن ننجح في رقمنة مؤسساتنا، بينما نعجز عن تحديث أدوات التفكير في مجتمعاتنا؟ إن أخطر فجوة نواجهها ليست الرقمية وحدها، بل الفجوة بين التقدم التكنولوجي والتقدم الفكري.

خامسًا: مسؤولية النخب والقيادات... الحضور في المجتمع لا في المكاتب

إن ابتعاد بعض القيادات عن الواقع اليومي للمجتمعات المحلية، وانشغالها بالتقارير والاجتماعات والمؤشرات الإدارية، أضعف التواصل بين المؤسسات والإنسان. نحتاج إلى مسؤولين يمتلكون رؤية فكرية واجتماعية، ويدركون أن مسؤولياتهم لا تنتهي عند حدود مؤسساتهم. فرئيس الجامعة والمحافظ ومدير التربية ورئيس البلدية والمؤسسات الثقافية والدينية جميعهم شركاء في بناء الوعي. كما أن للمثقفين والإعلاميين والأحزاب والمؤسسات الدينية دورًا أساسيًا في ترسيخ خطاب وطني يحترم التعددية، ويرفض الكراهية، ويصون كرامة الإنسان. المطلوب الانتقال من ثقافة رد الفعل إلى الوقاية، ومن الخطابات الموسمية إلى البرامج المستدامة.

سادسًا: نحو مشروع وطني للتنوير والتنمية المجتمعية

إن حادثة الكرك يجب أن تكون نقطة انطلاق لمراجعة وطنية جادة، تقود إلى مشروع متكامل للتنوير والتنمية المجتمعية، تشترك فيه الحكومة والجامعات والمدارس والمؤسسات الدينية والقطاع الخاص والمجتمع المدني. ويقوم هذا المشروع على خمسة مسارات: تفعيل الدور التنويري للجامعات في المحافظات، وإصلاح القيادة والفكر التربوي، وتحقيق العدالة التنموية والثقافية، وتوظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لنشر المعرفة، ووضع مؤشرات وطنية تقيس أثر البرامج الثقافية ومستويات المشاركة وقبول الاختلاف. ولا بد من ربط هذه المسارات بخطط تنفيذية ومسؤوليات واضحة وموازنات ومؤشرات أداء، حتى لا تتحول إلى شعارات أو وثائق جديدة تُضاف إلى الأدراج. فبناء الوعي يحتاج إلى قرار وطني يجعل الثقافة والتنوير أولوية لا تقل أهمية عن الاقتصاد والبنية التحتية والتحول الرقمي.

أخيرًا: أن نقبل الآخر كما هو... لا كما نريده أن يكون

إن الدرس الأعمق من مأساة الكرك هو أن التعايش لا يتحقق بترديد شعارات الوحدة الوطنية وحدها، بل بثقافة تؤمن بأن الاختلاف حقيقة إنسانية، وأن المواطنة لا تشترط التشابه في الدين أو الفكر أو الثقافة. علينا أن نربي أبناءنا على قبول الآخر كما هو، لا كما نريده أن يكون؛ فالمجتمع المتماسك ليس الذي يفكر أفراده بالطريقة نفسها، بل الذي يستطيع أفراده الاختلاف دون عداء، والحوار دون إقصاء، والعيش معًا دون أن يسعى أحدهم إلى إلغاء الآخر. إن مسؤولية الأجهزة الأمنية في حماية المجتمع وملاحقة الإرهاب أساسية، لكن مسؤولية المؤسسات التعليمية والثقافية والاقتصادية لا تقل أهمية في تحصين المجتمع فكريًا. فالأمن يحمي المجتمع من خطر الإرهاب، أما التعليم والتنوير والعدالة والتنمية فتحمي مستقبله من الفكر الذي يغذي التطرف. إن ما شهدته الكرك يستحق منا أكثر من الإدانة والاستنكار؛ يستحق مراجعة وطنية صادقة لدور مؤسساتنا وعلاقتها بالمجتمع، خصوصًا في المحافظات والأطراف. نحن في عام 2026، في عصر الذكاء الاصطناعي والثورات المعرفية، ولم يعد مقبولًا أن نتقدم في التكنولوجيا ونتأخر في ثقافة قبول الآخر، أو أن ننجح في رقمنة الخدمات ونعجز عن الوصول إلى الإنسان فكرًا وثقافة ووعيًا. فالدولة الحديثة لا تُقاس فقط بما تمتلكه من تكنولوجيا ومؤسسات، بل بقدرتها على بناء إنسان حرّ التفكير، واسع الأفق، مؤمن بالتعددية، يرى في اختلاف الآخر إثراءً للحياة لا تهديدًا لوجوده. ذلك هو التحدي الحقيقي، وتلك هي مسؤولية الدولة بمؤسساتها كافة، وذلك هو المشروع الوطني الذي يستحق أن نبدأه اليوم، لا غدًا.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :