facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




«فرجيناهم سيدنا» .. حين ردّ الأردن على الإرهاب بوحدة الشعب وهيبة الدولة


الدكتور علي فواز العدوان
26-10-2026 03:26 PM

لم تكن زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين لمصابي الاعتداء الإرهابي الذي استهدف كنيسة في محافظة الكرك مجرد زيارة للاطمئنان على الجرحى، بل كانت رسالة دولة، وموقف قائد، وصورة وطن يعرف كيف يواجه الألم دون أن ينكسر، وكيف يحوّل الصدمة إلى تماسك، والخوف إلى قوة، والجريمة إلى لحظة وطنية تتجلى فيها معاني الانتماء والولاء.

وفي المشهد الذي اختصرته العبارة الأردنية العفوية «فرجيناهم سيدنا»، تتجاوز الكلمات حدود معناها المباشر؛ فهي ليست مجرد تعبير شعبي عن الغضب، وإنما إعلان وجداني بأن الأردنيين، حين يُستهدف أمنهم، يقفون صفاً واحداً خلف وطنهم وقيادتهم ومؤسساتهم، وأن الرد على الإرهاب لا يكون بالانتقام المنفلت، بل بقوة الدولة وسيادة القانون ووحدة المجتمع.

لقد أراد منفذو هذا الفعل الإجرامي الصادم أن يزرعوا الخوف، وأن يضربوا النسيج الوطني في واحدة من أكثر محافظات المملكة رسوخاً في تاريخها السياسي والاجتماعي. لكن ما غاب عن حساباتهم أن الكرك ليست مجرد جغرافيا، وأن الأردن ليس مجتمعاً يمكن تفكيكه برصاصة أو جريمة، وأن استهداف دار عبادة هو استهداف لكل بيت أردني، مسلماً كان أم مسيحياً.

حين حضر الملك، حضرت الدولة بكل معانيها.

زيارة جلالته للمصابين جسّدت مفهوم القيادة التي لا تكتفي بمتابعة الحدث من خلف التقارير، بل تقف إلى جانب شعبها في لحظات الوجع. فالمصاب ليس رقماً في بيان، والدم الأردني ليس خبراً عابراً، وأمن المواطن ليس تفصيلاً في الحسابات السياسية؛ إنه جوهر العقد الوطني الذي يجمع القيادة بالشعب.

وفي المقابل، جاء تحرك الأجهزة الأمنية الأردنية وملاحقتها للخلية الإرهابية والقبض على المتورطين ليؤكد أن الأردن، الذي يتعامل مع شعبه بمنطق الرحمة والمسؤولية، يتعامل مع الإرهاب بمنطق الحزم والقانون، وأن هيبة الدولة ليست شعاراً، وإنما قدرة مؤسسية على حماية المجتمع وملاحقة من يعتدي على أمنه.

ولعل أكثر ما يميز المشهد الأردني أن الرد لم يكن أمنياً وحده، بل كان مجتمعياً أيضاً. فقد تجلت اللحمة الشعبية في الموقف الواحد الذي جمع أبناء الوطن، وفي رفض تحويل الجريمة إلى فتنة دينية أو اجتماعية، وفي إدراك الأردنيين أن الإرهاب لا يمثل ديناً ولا عشيرة ولا منطقة، وإنما يمثل فكراً إجرامياً يستهدف الإنسان والدولة معاً.

وهنا تكمن قوة الأردن الحقيقية؛ فالإرهابي يستطيع أن يطلق النار، لكنه لا يستطيع أن يفرض على الأردنيين كيف يفكرون، ولا أن ينتزع من وجدانهم ثقافة التعايش، ولا أن يحوّل اختلافهم الديني والاجتماعي إلى خصومة وطنية.

لقد أخطأ من اعتقد أن استهداف كنيسة يمكن أن يصنع شرخاً بين الأردنيين؛ فالكنيسة في الوجدان الوطني ليست شأناً مسيحياً منفصلاً، كما أن المسجد ليس شأناً إسلامياً معزولاً، فكلاهما جزء من هوية الدولة الأردنية، والاعتداء على أي منهما اعتداء على الوطن بأكمله.

«فرجيناهم سيدنا».. عبارة تختصر علاقة شعب بقائده.

في هذه الكلمات البسيطة تكمن معادلة سياسية واجتماعية عميقة؛ فالأردني الذي يطالب بحماية وطنه لا يبحث عن استعراض للقوة، وإنما يستحضر ثقته بدولة يعرف مؤسساتها، وجيشاً يعتز به، وأجهزة أمنية يرى فيها سياجاً لاستقراره، وقيادة هاشمية ظلت حاضرة في لحظات الشدة قبل الرخاء.

والأهم أن القبض على المتورطين في الخلية الإرهابية يحمل دلالة تتجاوز الإنجاز الأمني المباشر؛ فهو يؤكد أن العدالة أقوى من الجريمة، وأن مؤسسات الدولة قادرة على ملاحقة التهديدات، وأن أمن الأردن ليس ساحة مفتوحة لمن يعتقد أن بإمكانه اختبار صبر الأردنيين أو العبث باستقرارهم.

إن التلاحم الذي أظهره الأردنيون في مواجهة هذا الاعتداء يمثل الرد الأكثر إيلاماً للفكر الإرهابي؛ لأن الإرهاب لا يسعى إلى إيقاع الضحايا فحسب، بل يراهن على تمزيق المجتمعات، وإضعاف الثقة بمؤسسات الدولة، وإشاعة الانقسام بين مكوناتها. وحين يفشل في تحقيق هذه الأهداف، فإنه يكون قد خسر معركته الأهم.

وما بين صورة الملك وهو يطمئن على المصابين، ويقظة الأجهزة الأمنية في ملاحقة الجناة، والتفاف الأردنيين حول بعضهم بعضاً، تتشكل صورة وطنية متكاملة عنوانها أن الأردن لا يترك جريحاً وحده، ولا يسمح بأن تتحول دماء أبنائه إلى مادة للفتنة، ولا يتهاون مع من يستهدف أمنه وسيادته.

لقد كانت الجريمة صادمة، لكن الرد الأردني كشف حقيقة أكبر من الحدث نفسه: أن قوة هذا الوطن ليست في سلاحه وحده، بل في وعي شعبه، وفي وحدة جبهته الداخلية، وفي تلك العلاقة التاريخية التي جعلت القيادة الهاشمية والشعب الأردني يقفان معاً كلما اشتدت المحن.

فرجيناهم سيدنا.. أن الكرك ليست وحدها، وأن الكنيسة ليست وحدها، وأن كل أردني، مهما اختلف دينه أو أصله أو موقعه، تقف خلفه دولة لا تساوم على أمنه وكرامته.

فرجيناهم أن الأردن لا يرد على الكراهية بالكراهية، وإنما بالعدالة، ولا يواجه الإرهاب بالفوضى، وإنما بالقانون، ولا يسمح للجريمة بأن تعيد رسم علاقات أبنائه.

فهذا وطن قد يوجعه الجرح، لكنه لا ينحني أمام من أحدثه.

وهذا شعب إذا استُهدف أحد أبنائه، انتفضت له قلوب الأردنيين جميعاً.

وهذا هو الأردن الذي لا يعرفه الإرهابيون: ملك بين شعبه، وشعب خلف قيادته، ودولة إذا تعلق الأمر بأمن أبنائها، فلا مكان فيها للتهاون ولا موطئ قدم للإرهاب.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :