من رصاص «حمود» لزغاريد الكنيسة .. الأردن الذي هزم الفتنة قبل أن تكتمل
رجا طلب
26-10-2026 03:43 PM
لم تكن الجريمة الإرهابية التي استهدفت كنيسة القديس جاورجيوس في قرية «حمود» بمحافظة الكرك مجرد اعتداء إرهابي دموي على مواطنين أردنيين أبرياء، بل كانت محاولة لضرب واحدة من أعمق حقائق المجتمع الأردني ألا وهي أن الأردن لم يُبنَ على لون ديني واحد، ولا على أصل أو منبت واحد، بل على شراكة تاريخية جعلت المسلمين والمسيحيين أخوة بالدم والتراب، يتقاسمون أفراحه وأحزانه، ويدافعون عن أرضه وكرامته.
إن الذين أطلقوا الرصاص لم يدركوا أن الأردن الذي يعرفونه ليس هو الأردن الذي أرادوا استهدافه، فبينما كانت الدماء تسيل في حمود، كانت إجابة الدولة والمجتمع تتشكل بسرعة، وبصورة يصعب على دعاة الكراهية استيعابها.
أنا هنا أتحدث بمنتهى الموضوعية التي لمسها كل من تابع هذه الجريمة النكراء أنه منذ اللحظات الأولى، جاء الموقف الملكي حاسما أدان الملك عبد الله الثاني الجريمة، وشدد على أن أمن الأردنيين ووحدتهم خط أحمر، وأن يد العدالة ستصل إلى المسؤولين عنها وزار الجرحى بالمستشفى، ولم يكن ذلك موقفا سياسيًّا مجردا، بل كان تعبيرا عن مسؤولية الدولة في حماية مواطنيها، أيا كانت عقيدتهم، وعن رفض تحويل دور العبادة إلى ساحات للموت والترويع.
واكتمل المشهد بحضور الملكة رانيا إلى جانب ذوي الضحايا ومشاركتها في تقديم واجب العزاء، ليحمل دلالة إنسانية ووطنية تتجاوز المراسم الرسمية، فحين تقف الملكة بين عائلات فقدت أبناءها في جريمة استهدفت مكانا مقدسا، فإن الرسالة التي تصل إلى الأردنيين هي أن وجع هذه العائلات ليس وجع طائفة بعينها، بل وجع البيت الأردني.
لكن الصورة الأعمق لم تكن في المشهد الرسمي وحده؛ كانت في ما فعله الأردنيون في المحافظات، من شمال المملكة إلى جنوبها، وهم يرفضون وبوعي تحول الجريمة إلى حاجز فيما بينهم، حيث تداعى رجال دين مسلمون إلى الوقوف إلى جانب إخوتهم المسيحيين، وتقديم واجب العزاء، في موقف لم يحتج إلى خطب طويلة كي يشرح معناه، فالمواساة هنا ليست مجاملة اجتماعية، بل هي إعلان واضح بأن الاعتداء على المسيحيين الأردنيين هو اعتداء على المسلمين أيضا، وأن استهداف أي مكوّن من مكونات المجتمع الأردني هو استهداف للجميع.
وفي الكنيسة، وحيث كان يفترض أن يبقى الحزن وحده سيد المكان، دوّت الزغاريد التي لم تكن إنكارا للفاجعة، ولا استخفافا بدموع الأمهات والزوجات والأبناء؛ بل كانت إعلانا بأن الذين سقطوا بنيران الإرهاب هم شهداء، وأن الموت لن يمنح القتلة ما أرادوه من خوف وانكسار.
لقد حاول الإرهابيون أن يجعلوا من الكنيسة رمزا للفصل بين الأردنيين، فإذا بها تتحول رمزا أبديا لتماسكهم، ولم يقتصر الرد على المواقف الشعبية والوجدانية حيث جاء رد الدولة وأجهزتها الأمنية سريعا، ففي فجر الإثنين 26 أكتوبر/تشرين الأول، أعلنت مديرية الأمن العام القبض على المشتبه بهم الثلاثة الذين قالت إنهم نفذوا الهجوم وذلك بعد عمليات بحث وتمشيط متواصلة منذ يوم الجمعة الفائت، وكان هذا الامر تطورا بالغ الأهمية، أكدت من خلاله الدولة الأردنية أنها لم تترك الجريمة معلقة، وأن ملاحقة المسؤولين عنها أولوية أمنية وقضائية.
وهنا تستعيد الذاكرة الأردنية تفجيرات فنادق عمّان في التاسع من نوفمبر/ تشرين الثاني عام 2005، حين استهدف الإرهاب مدنيين أبرياء في 3 فنادق، في واحدة من أكثر المحطات إيلاما في تاريخ المملكة الحديث، يومها أيضا واجه الأردنيون محاولة تحويل العنف إلى وسيلة لزعزعة الثقة بالدولة وضرب التماسك المجتمعي، ومنذ ذلك الوقت، بقيت كفاءة الأجهزة الأمنية وقدرتها على ملاحقة الخلايا الإرهابية وإحباط مخططاتها ركنا أساسيا في مواجهة هذا الخطر.
ومع كل ذلك، فإن سرعة القبض على المتهمين لا تعني أن المهمة انتهت، فالعدالة تقتضي كشف ملابسات الجريمة كاملة، وتحديد ما إذا كان وراء المنفذين محرّضون أو شركاء أو شبكات أوسع، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته وفق القانون، كما تقتضي مواجهة الفكر التكفيري الذي يحوّل الاختلاف الديني إلى مبرر للقتل، لا الاكتفاء بملاحقة من حملوا السلاح.
إن ما جرى في حمود يضع الأردن أمام مسؤولية مواصلة حماية نسيجه الوطني، ليس بالشعارات وحدها، بل بالتربية والتعليم، والخطاب الديني المسؤول والتنويري، والعدالة، وتجفيف منابع التطرف والإرهاب .
لقد أخطأ الإرهابيون حين ظنوا أن رصاصة تستطيع أن تمحو قرونا من العيش الواحد، وأخطأوا حين اعتقدوا أن الكنيسة يمكن أن تصبح بوابة لفتنة بين الأردنيين، فالمشهد الذي أعقب الجريمة، من مواقف القيادة الأردنية إلى مواساة رجال الدين المسلمين لإخوتهم المسيحيين، ومن تضامن المحافظات إلى زغاريد الكنيسة، حمل جواباً واحدا: هذا وطن لا تتجزأ فيه الكرامة، ولا تتعدد فيه قيمة الدم بحسب دين صاحبه.
في حمود سقط شهداء، وانكسر قلب الأردن، لكن الفتنة التي أرادها القتلة لم تنتصر، كان الرصاص صوت الجريمة، وكانت وحدة الأردنيين هي الرد والكلمة الأخيرة.
الغد