facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




محاربة الفكر بالفكر .. ومواجهة التكفير بالتفكير


عميد متقاعد عارف الزبن
26-10-2026 03:41 PM

*رسالة عمّان والوئام الديني في مواجهة الغلو والتطرف

من الأردن إلى أفغانستان إلى واشنطن... تجربة أردنية في مواجهة الغلو والتطرف بقوة الفكر والاعتدال"

بدايةً، أتقدم بأصدق مشاعر العزاء والمواساة إلى الوطن والى ذوي شهداء الوطن الأبرار، الذين امتدت إليهم يد الغدر والإرهاب في محافظة الكرك، هذه المحافظة العزيزة التي شكّلت عبر تاريخها، نموذجًا عالميا وحضاريًا وإنسانيًا يُحتذى به في الوئام والتسامح والتعايش الديني، وجسّدت أسمى معاني الأخوّة والمحبة والوحدة الوطنية بين أبناء الوطن الواحد.

سائلًا المولى عزّ وجلّ أن يتغمّد شهداءنا بواسع رحمته ومغفرته، وأن يُلهم أهلهم وذويهم الصبر والسلوان، وأن يحفظ الأردن، أرضًا وقيادةً وشعبًا، من كل سوء ومكروه. وستبقى الكرك، كما عهدناها قلعةً الوئام والتسامح الديني والتعايش ، ورمزًا للتآخي ، عصيّةً على الفكر المتطرف ومحاولات زرع الفتنة، وسيبقى الأردن بوحدته الوطنية وتلاحم أبنائه أقوى من كل محاولات النيل من أمنه واستقراره.

لقد أوجع هذا الحادث الأليم قلوب الأردنيين جميعًا، من شتى المنابت والأصول، مسيحيين ومسلمين، كما وأعاد إلى ذاكرتي سؤالًا ظل يرافقني منذ سنوات طويلة. هل نمتلك من أدوات الفكر والوعي ما يكفي لتحصين مجتمعنا، إلى جانب ما نمتلكه من قدرات أمنية وعسكرية لحمايته؟

ومن هنا، وجدتُ نفسي أعود بذاكرتي إلى مبادراتنا الوطنية الملكية الرائدة، التي أرى، وبكل أسف، أنها لم تحظَ بما تستحقه من حضور في الخطاب الرسمي، حتى إنني لم أسمع المتحدث باسم الحكومة يشير إليها خلال المؤتمر الصحفي اليوم، رغم ما تمثله من أدوات فكرية وحضارية بالغة الأهمية في مواجهة الغلو والتطرف.

فهذه المبادرات لم تكن يومًا مجرد خطابات تُلقى، أو شعارات تُرفع، أو مناسبات عابرة نحتفي بها ثم ننساها، بل شكّلت ركائز أساسية في رسالة الأردن الحضارية والإنسانية إلى العالم، وفي مقدمتها رسالة عمّان وأسبوع الوئام العالمي بين الأديان، اللتان جسّدتا رؤية جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين في ترسيخ قيم الوسطية والاعتدال والتسامح، وتعزيز ثقافة الحوار والتعايش واحترام الآخر.

ولكن السؤال الذي يؤرقني اليوم، وأطرحه بكل صراحة ومسؤولية وطنية: أين نحفظ نحن الأردنيين هذه المبادرات الملكية التي قدّمناها للعالم؟ هل نغرس مضامينها في عقول أبنائنا ووجدانهم، ونحوّلها إلى مناهج تعليمية وبرامج توعوية وثقافة مجتمعية راسخة، أم نكتفي بحفظها في أدراج المؤسسات ومستودعات الأرشيف، ولا نستحضرها إلا في المناسبات والاحتفالات الرسمية؟ وهل يعقل أن يتحول ما امتلكه الأردن من قوة ناعمة مؤثرة على المستوى العالمي إلى قوة نائمة في الداخل، في الوقت الذي نحن فيه بأمسّ الحاجة إلى تفعيلها سلاحًا فكريًا وحضاريًا لمواجهة الغلو والتطرف وخطاب الكراهية؟
أتدرون من الذي يظهر معي في هاتين الصورتين؟ إنه الأب نبيل حداد، أحد رجال الدين المسيحي الذين ارتبط حضورهم برسالة المحبة والتسامح والحوار والوئام بين أتباع الأديان. أتدرون ما المناسبة التي جمعتنا؟ إنها رحلة إلى العاصمة الأمريكية واشنطن، بمبادرة من الجيش العربي الأردني، وبرفقة العميد الإمام حسن الجازي، بهدف التعريف برسالة الأردن في الوئام الديني، ونقل قوة رسالة عمّان وتأثيرها في نشر الوسطية والاعتدال، وإبراز دور الفكر الديني المستنير في محاربة الغلو والتطرف.

وهل تعلمون أن جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، حفظه الله ورعاه، أطلق رسالة عمّان عام 2004، لتوضيح حقيقة الإسلام وقيمه القائمة على الوسطية والاعتدال والتسامح ونبذ التكفير؟ ثم جاءت مبادرة أسبوع الوئام العالمي بين الأديان، التي طرحها جلالته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2010، واعتمدتها الجمعية العامة في 20 تشرين الأول من عام 2010 بموجب القرار 5 / 65 ليصبح الأسبوع الأول من شهر شباط من كل عام مناسبة عالمية لتعزيز التفاهم والحوار والتعايش بين أتباع الأديان.

إنها هذه المبادرات هي أردنية في أصلها، عالمية في رسالتها، تحمل فكرًا إنسانيًا يتجاوز الحدود والجغرافيا والانتماءات الدينية. ولعل ما يدفعني اليوم إلى استذكار هذه المبادرات الملكية هو أنني لم أكن مجرد متابع لها، بل عشت جانبًا من تطبيق مضامينها على أرض الواقع. فخلال تجربتي العسكرية في أفغانستان، استخدمنا مضامين رسالة عمّان في مواجهة الفكر المتطرف، وتعزيز مفاهيم الوسطية والاعتدال، وإبراز حقيقة الدين الإسلامي بعيدًا عن الغلو والتشدد والتكفير.

وهناك أدركت أن مواجهة الإرهاب ليست معركة عسكرية وأمنية فحسب، بل هي في جوهرها معركة فكرية أيضًا؛ فالسلاح قد يوقف الإرهابي، لكنه لا يكفي وحده للقضاء على الفكر الذي يصنع الإرهاب ويغذي الكراهية والعنف. لم تكن مهمتنا في أفغانستان مجرد التعريف بمبادرة دينية، بل كانت نقل وتطبيق رسالة عمّان وقوة تأثيرها في ترسيخ الوسطية والاعتدال، وتقديم النموذج الأردني في التعايش بين المسلمين والمسيحيين، وإظهار أهمية التعاون بين المؤسسات العسكرية ورجال الدين في مواجهة الغلو والتطرف.

كنا نحمل رسالة أردنية واضحة إلى العالم، مفادها أن الأديان لا ينبغي أن تكون مصدرًا للصراع والكراهية، بل جسورًا للتفاهم والسلام واحترام كرامة الإنسان. وما زلت أؤمن، من واقع تلك التجربة، بأن الفكر المتطرف لا يمكن هزيمته بصورة مستدامة ما لم نواجه الأفكار التي تغذيه، ونحصّن الأجيال بالمعرفة والوعي وقيم الاعتدال. عندما أنظر اليوم إلى هاتين الصورتين، وأستعيد تلك التجربة، ثم أتأمل ما شهدته محافظة الكرك من حادث أليم، أجد نفسي أمام تساؤلات لا بد من طرحها.؟

هل تُدرَّس رسالة عمّان وأسبوع الوئام العالمي بين الأديان في مدارسنا، وجامعاتنا، ومعاهدنا العسكرية، والأمنية؟ وهل يعرف شبابنا أن الأردن قدم للعالم مبادرات في الاعتدال والتسامح والحوار بين أتباع الأديان، وأن إحدى هذه المبادرات أصبحت مناسبة دولية تحتفل بها الأمم المتحدة كل عام؟ وهل تحولت هذه المبادرات إلى برامج وطنية مستدامة، أم اكتفينا بإحيائها في المناسبات الرسمية والمؤتمرات والندوات؟، بينما ما زلنا بحاجة إلى التساؤل عن مدى حضورها وتأثيرها في عقول أبنائنا ووجدانهم؟

إنني لا أطرح هذه الأسئلة انتقاصًا من جهود المؤسسات الوطنية، وإنما انطلاقًا من الحرص على تعظيم الاستفادة من إرث فكري وحضاري أردني يستحق أن يكون حاضرًا في حياتنا اليومية. فالحوادث المؤلمة التي يتعرض لها وطننا ينبغي أن تدفعنا إلى مراجعة أدوات الوقاية الفكرية والتربوية، إلى جانب مواصلة الجهود الأمنية والقانونية لحماية المجتمع. ولا يعني ذلك أن كل جريمة هي بالضرورة نتيجة تطرف ديني أو فكري، ولكن حماية المجتمع من العنف والكراهية والتعصب تظل مسؤولية وطنية لا تقل أهمية عن مواجهة الأخطار الأمنية المباشرة.

القوة الناعمة الأردنية. هي سلاح الفكر في مواجهة التطرف، تكمن في رسالة عمّان وأسبوع الوئام العالمي بين الأديان ليستا مجرد وثيقتين تاريخيتين أو مناسبتين للاحتفال، بل تمثلان جانبًا مهمًا من القوة الأردنية، ومن الأدوات الفكرية التي يمكن توظيفها في بناء الوعي وتعزيز التماسك المجتمعي ومواجهة خطاب الكراهية والتطرف.

ولقد تعلمت من تجربتي العسكرية أن أمن الأوطان لا يبدأ عند الحدود وحدها، وإنما يبدأ أيضًا من المدرسة والجامعة والمسجد والكنيسة والأسرة، ومن الفكر الذي ينشأ عليه الإنسان.

لقد تعلمت في ميادين مكافحة الإرهاب أن السلاح قد يوقف الإرهابي، لكنه لا يستطيع وحده أن يقتل الفكرة المتطرفة؛ فالفكر لا يواجه إلا بالفكر، والتكفير لا يُهزم إلا بالتفكير والوعي والاعتدال.

وهنا أتوجه بسؤال إلى مؤسساتنا التعليمية والثقافية والدينية: لماذا لا نجعل من رسالة عمّان وأسبوع الوئام العالمي بين الأديان جزءًا أصيلًا من برامجنا التعليمية والتوعوية، ونحوّلهما إلى ثقافة وطنية راسخة تتوارثها الأجيال؟ لماذا لا نستثمر هذه المبادرات في إعداد برامج مشتركة تجمع رجال الدين والمعلمين والأكاديميين والمؤسسات العسكرية والأمنية والشباب، لنشر ثقافة الحوار والتسامح والاعتدال؟

إن مواجهة التطرف لا تبدأ بعد وقوع الجريمة، بل تبدأ قبل ذلك بسنوات، عندما نعلّم أبناءنا احترام الاختلاف، ونحصّن عقولهم ضد التعصب والكراهية، ونرسّخ في وجدانهم أن قوة الوطن تكمن في وحدته وتماسك نسيجه الاجتماعي.

وفي الختام؛ أعود إلى شهداء الوطن في الكرك، وإلى الألم الذي أصاب قلوب الأردنيين جميعًا، وأقول إن الوفاء لتضحيات من فقدناهم لا يقتصر على الحزن والدعاء، بل يدعونا كذلك إلى مواصلة العمل من أجل مجتمع أكثر، وعيًا وتماسكًا وأمنًا.

وأعود إلى تلك الصور التي جمعتني بالأب نبيل حداد، وإلى رحلتنا إلى واشنطن، مستذكرًا ما تعلمته في أفغانستان، وما حملناه من رسالة أردنية إلى العالم.لقد حملنا رسالة عمّان إلى الخارج إيمانًا بقوتها وتأثيرها في مواجهة الغلو التطرف، واليوم أرى أن من واجبنا أن نعمل بالقدر نفسه على ترسيخ مضامينها في الداخل.

إن المبادرات الملكية التي وصلت إلى الأمم المتحدة تستحق أن تصل أولًا إلى كل مدرسة وجامعة ومعهد وبيت أردني. فالأمم لا تحمي أوطانها بقوة السلاح وحدها، بل بقوة الفكر والوعي والقيم التي تغرسها في نفوس وعقول أبنائها. فلا تجعلوا من مبادراتنا الوطنية وثائق محفوظة في الأرشيف، بل اجعلوها فكرًا حيًا يحمي الأجيال ويصنع المستقبل.

رحم الله شهداء الوطن، وحفظ الأردن أرضًا وقيادةً وشعبًا، وأدام عليه نعمة الأمن والأمان والوحدة الوطنية.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :