حماية النسيج الوطني في زمن الضجيج الرقمي
أ. د. عادل الهاشم
27-10-2026 09:16 AM
أبدأ مقالتي بتساؤلات تجول في خاطر كل محب لثرى الوطن الغالي على قلوبنا جميعًا، حيث أصبحت الإجابة عليها ملحة في ظل الضجيج الرقمي غير المسؤول في بعض الأحيان تجاه قضايا مهمة، ومن شأنها التأثير على المزاج العام في المجتمع. والسؤال يطرح نفسه: كيف نحمي نسيجنا الوطني من التعصب والانقسام في العالم الافتراضي، وفي ظل المهاترات والآراء الفكرية الفردية التي لا يجوز تعميمها في بعض المواقف.
وهل أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي وسيلة للتقارب وتبادل المعرفة، أم أنها تحولت أحيانًا إلى مساحة لتأجيج الخلافات وإحياء العصبيات الجاهلية كما أشار إليها ابن خلدون، وبالتالي فهي بلا وعي رقمي على حساب وحدتنا الوطنية التي طالما تغنينا بها وسنبقى كذلك في ظل قيادتنا الحكيمة.
لم يعد العالم الافتراضي مجرد وسيلة للتواصل، بل أصبح مؤثرًا في تشكيل الوعي المجتمعي وتوجيه الرأي العام فلذلك فإن مسؤوليتنا لا تقتصر على ما نكتبه بل تشمل أيضًا ما يتم نشره ونعيد تداوله دون وعي والتحقق من مدى صحته وتأثيره حسب طبيعة الحدث.
إن الوعي الحقيقي يبدأ من احترام الإنسان، وإدراك أن الاختلاف في الأصول والمنابت والانتماءات العشائرية والطائفية والمناطقية لا ينتقص من قيمة أي مواطن، ولا يمنح أحدًا حقًا يتقدم به على غيره، فالمواطنة تجمعنا، والعدالة وسيادة القانون هما المرجعية عند الاختلاف.
ولنضع النقاط على الحروف: الانتماء العشائري أو الطائفي أو المناطقي موجود في كل بقاع الأرض، لكن المشكلة حين يتحول إلى تعصب، أو تبرير للخطأ، أو وسيلة للإساءة إلى الآخرين، أو ادعاء تمثيل جماعة بأكملها دون تفويض منها، فالعشائر والطوائف مكونات اجتماعية ودينية أصيلة وراسخة في جذور الوطن، والتنوع مصدر غنى للمجتمع، ولا يجوز تحميل جماعة كاملة مسؤولية تصرف فرد وإثارة الانقسامات.
وفي زمن الانتشار السريع للمعلومات، قد يتحول تعليق غاضب أو خبر غير موثوق أو مقطع مجتزأ إلى شرارة خلاف، وقد تصدر الأحكام قبل التحقق، ويحل التخوين محل الحوار، والتشهير محل النقد المسؤول، فلذلك فإن الوعي الرقمي يعني التحقق من المصادر، والتمييز بين الحقيقة والرأي، واحترام الخصوصية، والتفكير في عواقب النشر قبل الضغط على زر المشاركة أو التعليق بلا دراية ووعي.
إن حماية النسيج الوطني تبدأ بممارسات واضحة من خلال عدم تداول الشائعات، وتجنب التعميم والإساءة، ورفض خطاب الكراهية، وعدم تحويل الحوادث الفردية إلى اتهامات جماعية، وعند وقوع خطأ أو جريمة، يجب أن يُحاسب المسؤول عنها وفق الوقائع والقانون، لا وفق أصله أو عشيرته أو طائفته، كما أن الاختلاف لا يبرر المساس بكرامة الآخرين، واحترام الأعراف لا يعني تعطيل العدالة.
ولا تقع هذه المسؤولية على الأفراد وحدهم، فالمؤسسات التعليمية والإعلامية والدينية والاجتماعية، والقيادات المجتمعية وصنّاع المحتوى، شركاء في ترسيخ ثقافة الحوار والتسامح والتفكير النقدي، كما أن القدوة في الخطاب المسؤول تسهم في احتواء الخلافات وحلها بدلًا من تفاقمها.
وفي الأردن، تبقى الوحدة الوطنية مسؤولية مشتركة، أساسها كرامة الإنسان، وتكافؤ الحقوق والواجبات، والاحتكام إلى المؤسسات والقانون، فالأردنيون على اختلاف أصولهم وانتماءاتهم هم شركاء في الوطن ومستقبله، ولا ينبغي أن يتحول التنوع إلى سبب للفرقة أو وسيلة للمساس بالسلم المجتمعي.
الوطن أكبر من منشور، وأبقى من خلاف، ووحدته مسؤولية الجميع، فالوعي بما نكتب على وسائل التواصل الاجتماعي أصبح ضرورة حتمية ومسؤولية مشتركة.
حمى الله الوطن والقيادة الهاشمية المظفرة.