قيادة تحمي .. ووحدة تصمد: نحو مقاربة أردنية لمواجهة التطرف
أروى الظاهر
27-10-2026 10:13 AM
في اللحظة التي أراد فيها الرصاص أن يرسم مسافة بين الأردني وأخيه، اختصرت البلاد تلك المسافة بخطوة نحو بيت العزاء. وفي قرية حمود، حيث أثقل الفقد قلوب العائلات، اتسع الحزن حتى صار بحجم وطن. هناك، حضرت حقيقة الأردن في وجوه المعزّين، وفي شعور عميق بأن الذين سقطوا هم أهل الجميع، وأن الجرح الذي أصاب الكنيسة دخل كل بيت أردني، لقد كشفت الفاجعة قسوة التطرف، وكشفت معها رسوخ الروابط التي يحاول استهدافها.
حمل الاعتداء على كنيسة حمود في الكرك أسئلة تتجاوز ملابسات الجريمة إلى قدرة المجتمع والدولة على حماية الإنسان، ومنع الكراهية من التحول إلى سلاح، وفي مواجهة هذه الأسئلة، برز مساران متكاملان: قيادة تتحمل مسؤوليتها في الحماية وإنفاذ القانون، ومجتمع يستند إلى تاريخ من الشراكة، ويمنحها معنى ملموسًا في الوقوف إلى جانب المكلومين.
جاء موقف جلالة الملك عبدالله الثاني حاسمًا في إدانة الاعتداء والتأكيد على ملاحقة مرتكبيه وحماية وحدة الأردنيين، وحملت زيارته المصابين ودار العزاء دلالة إنسانية ووطنية عميقة؛ فحضور رأس الدولة إلى جانب المتألمين يؤكد أن أمن المواطن وكرامته في صميم مسؤولية الحكم، وأن الدولة تقف بكل ثقلها مع أبنائها حين تُستباح حياتهم.
وفي هذا السياق، يتجلى دور القيادة الهاشمية في جمع الأردنيين حول مرجعية وطنية تصون حقوقهم على أساس المواطنة، فالحماية، بمعناها الأعمق، تشمل حماية شعور الإنسان بأنه ينتمي إلى وطن يتساوى فيه أبناؤه في قيمة الحياة وحرمة الدم. ومن هنا، فإن مواجهة الاعتداء على دار عبادة تتصل مباشرة بحماية الدولة لفكرتها الجامعة، بأن الاختلاف الديني يعيش داخل مظلة الحقوق والواجبات المشتركة.
أما التفاف الأردنيين حول أهالي الضحايا، فقد أعطى هذه الفكرة وجهًا إنسانيًا واضحًا، ففي مشاهد التشييع والمواساة، واجتماع رجال الدين المسلمين والمسيحيين، وحضور المواطنين من شتى المنابت والأصول ، ظهرت لُحمة النسيج الوطني بوصفها علاقة تعايش، حيث أكدوا بحضورهم أن الأسرة المفجوعة محاطة بأهلها في الوطن، وأن ألمها يجد صداه في ضمير المجتمع كله.
إن ما ظهر عقب الجريمة يستحق أن يُقرأ باعتباره استدعاءً لذاكرة اجتماعية عميقة، وقدرة جماعية على احتواء الألم ومنع تحويله إلى خصومة بين مكونات المجتمع.
غير أن الوفاء لهذا المشهد يقتضي استمراره بعد انحسار التغطية الإعلامية، فأهالي الضحايا يحتاجون إلى مواساة ممتدة، ومتابعة احتياجاتهم النفسية والاجتماعية، وإسناد المصابين وعائلاتهم، كما يقتضي تخليد ذكرى الراحلين بصورة تليق بحياتهم وأثرهم، وإتاحة المجال لأصوات ذويهم دون إثقالهم بتوقعات عامة حول كيفية التعبير. فالتضامن الناضج يصغي، ويرافق، ويستمر.
وعلى هذا الأساس، تبرز الحاجة إلى منهجية وطنية للاعتدال، تصل بين الحماية الأمنية والتحصين الفكري والمجتمعي، ويمنح إعلان القبض على المتورطين مسار العدالة أهمية مباشرة، فيما تبقى مواجهة الأفكار التي تبرر الاعتداء مسؤولية طويلة الأمد. والمنهجية المقترحة ينبغي أن تحدد أدوار المؤسسات، وآليات التنسيق، ومؤشرات التقدم، وأن تنطلق من فهم دقيق للطرق التي يتسلل بها خطاب التكفير والتحريض إلى وعي الأفراد.
تبدأ هذه المنهجية من التعليم، حيث تتشكل علاقة الناشئة بالاختلاف وبالمعرفة وبالسلطة الأخلاقية للنص والخطاب. والمطلوب تنمية التفكير النقدي، وتعليم التحقق من الادعاءات، وكشف المغالطات، وإدارة الخلاف باحترام. ويمكن للمدرسة والجامعة أن تمنحا الطلبة خبرات مشتركة في خدمة المجتمع والحوار والعمل الجماعي، بحيث تتحول المواطنة إلى ممارسة يختبرونها. كما يحتاج المعلمون إلى تأهيل يساعدهم على مناقشة الأسئلة الحساسة بوضوح، والتعامل مع مظاهر الإقصاء دون وصم أو تعميم.
وفي المجال الديني، تتطلب المواجهة خطابًا مؤهلًا يفكك المقولات التي تمنح العنف شرعية مزعومة، ويشرح حرمة الدم وحقوق الجوار وصيانة دور العبادة بلغة واضحة ومقنعة. فالاعتدال يحتاج إلى حجة ومعرفة وقدرة على الوصول إلى الشباب، وإلى مساحة آمنة لطرح الأسئلة ومناقشتها. ويكتسب التعاون بين المؤسسات الدينية والتربوية والبحثية قيمة عملية حين ينتج مواد وبرامج تعالج أسئلة الناس الفعلية وتواجه التحريض في صوره المتجددة.
ويمثل الفضاء الرقمي ميدانًا أساسيًا لهذه الجهود؛ إذ يستطيع خطاب الكراهية أن ينتقل بسرعة، وأن يقدم الإقصاء في قوالب جذابة أو مضللة. ومن ثم، تحتاج المقاربة الوطنية إلى تعزيز التربية الإعلامية، وإنتاج محتوى رصين، وتيسير الإبلاغ عن التهديد والتحريض على العنف، ضمن قواعد قانونية واضحة تصون حرية التعبير والخصوصية. كما ينبغي تجنب إعادة نشر المواد المتطرفة على نحو يمنح أصحابها انتشارًا إضافيًا أو يحول الجناة إلى محور المشهد.
وتحتاج المنهجية كذلك إلى مشاركة الشباب والبلديات والجمعيات والأسر، وإلى برامج إرشاد وتدخل مبكر وإعادة تأهيل تستند إلى تقييم مهني. ويجب التمييز بدقة بين التدين، والتعبير عن الرأي، والتحريض على العنف؛ فعدالة المعالجة شرط لثقة المجتمع وفاعلية الوقاية. ويُقاس النجاح بقدرة المؤسسات على الحد من السلوك الإقصائي، وتحسين الاستجابة للمخاطر، وتعزيز شعور المواطنين بالأمان والمساواة، مع مراجعة البرامج وتصحيحها استنادًا إلى الأدلة.
لقد أظهرت حمود أن للوطن قدرة على جمع أبنائه حول الجرح، وأن القيادة والمجتمع يملكان أساسًا متينًا للبناء عليه. والمسؤولية الآن أن يمتد هذا التماسك إلى سياسات وممارسات يومية تحمي كرامة الإنسان، وتساند أهالي الضحايا، وتواجه جذور الكراهية. ففي كل يد تبقى ممدودة للمواساة، وكل مؤسسة تؤدي واجبها بعدل، وكل شاب يتعلم احترام شريكه في الوطن، يصبح الاعتدال قوة حية، وتصبح الوحدة الوطنية وعدًا يفي به الأردنيون لبعضهم كل يوم.