من الحدود إلى داعش: سيرة هزاع “الجهادي القاتل” وخلية الكرك
مراد بطل الشيشاني
27-10-2026 10:28 AM
ما بعد الصدمة والحزن، بدأ الأردنيون بالانشغال في أسئلة ترتبط بمنفذي الهجوم الصادم والدامي لمشيعين في قرية حمود في الكرك جنوبي البلاد. هنا سيرة المتهم الرئيسي هزاع زيدان الذنيبات وتحولاته
ساد الأردن خطابٌ شعائريٌّ على المستوى الديني والسياسي، لأسباب مفهومة، بعد الهجوم الدامي والصادم لمشيعين مسيحيين في قرية حمود في الكرك جنوبي البلاد، ومع إعلان أسماء المنفذين بدأ الأردنيون بالانشغال في أسئلة ترتبط بهم: من هم؟ وكيف تجندوا؟ ولماذا كل هذا القتل؟ وارتباطاتهم التنظيمية والفكرية. وقد أعلنت الحكومة عن أسماء المنفذين دون الإشارة إلى اسم عشيرتهم (الذنيبات)، فقد أشارت إلى أن هزاع زيدان محمد (39 عاماً)، وشقيقه مشعل (31 عاماً)، ونسيبهم أحمد سامي (25 عاماً).
قائد المجموعة ومخططها الرئيسي، هزاع، في خلفيته ما يقدم تصوراً عن رحلته نحو الراديكالية….
استطلاع الحدود في الجيش
كان في التاسعة عشرة من العمر حين انضم للجيش الأردني عام 2006، مثل الكثير من الشبان في المناطق والضواحي المحيطة بالمدن الكبرى من الشرق أردنيين. هذا بعد عام من أكبر تفجيرات شهدها الأردن خلال الألفية، والتي تُعرف بتفجيرات الفنادق التي نفذها تنظيم القاعدة في العراق بقيادة أبي مصعب الزرقاوي.
على ما يبدو أن هزاع لم يبدِ ميولاً في تلك الحقبة للأفكار الجهادية، حيث إنه كان سَيُسَرَّحُ إذا ما اكتُشِفَت فيه مثل تلك الميول في جيش يتبع إجراءات صارمة إزاء الميول السياسية في جيش محترف.
سُرِّح بالفعل من الخدمة بعد ثماني سنوات عام 2014، لأسباب لا نعرفها، لكنه خلال السنوات الثماني في الجيش، كان يعمل في كتيبة الاستطلاع الإلكتروني على الواجهات الحدودية.
وطوّر، بحكم تلك الخدمة، معرفة جغرافية لطبيعة وتضاريس تُعرف بالمنطقة الحدودية الجنوبية، الممتدة من غور الصافي إلى وادي عربة -حيث وقّع الأردن معاهدة السلام مع إسرائيل عام 1994- بطول 80 كم، وتتاخم الحدود الإسرائيلية.
وبعد خروجه من الجيش، يبدو أنه بدأ يحدث نفسه بتنفيذ عمليات ضد الإسرائيليين واليهود، وبدت أفكارٌ جهادية تراوده، وبدأ يبحث عن إطار جامع أولاً.
وفيما يشكل السلفيون-الجهاديون مجتمعات مغلقة في الأردن، أبرزتْها سهرةٌ في منزل أحدهم قبل 18 عاماً تقريباً.
عاد هزاع إلى قريته الجديدة في الكرك، ومثل الكثير من القرى هناك، تعبر عن تجمعات عشائرية، تحكمها قيم عربية في علاقتها مع القرى والعشائر المجاورة لمئات السنين.
يبدو أن هزاع كان يسعى للخروج عن هذا كله، بالبحث عن ولاء يتجاوز بلده، ويتجاوز العشيرة والقرية… ببساطة يغير ولاءاته.
البحث عن الجماعة
الكثير من الجهاديين خرجوا من مدن غير مكتملة في الأردن، السعودية، والعراق، وغيرها، فنادراً ما تجد الريف والبادية منتجةً لهم، بينما تلك الفضاءات الجغرافية الحائرة بين المدينة والقرية هي المصدر.
لم يجد هزاع من يلتقفه في فضائه الجغرافي، حتى بدأ نشاطه الإلكتروني مع انتشار وباء كورونا، وبدأ عبر صفحته على “فيسبوك” بتشكيل مجتمع عبر علاقة صداقة وتوافق فكري مع عناصر ناشطين ينشرون نفس مضامينه التكفيرية، وتطورت العلاقة إلى زيارات شخصية ومتبادلة، كما درجت العادة بين أبناء التيار والمجندين الجدد فيه.
والفترة من 2014 إلى 2018 اعْتُبِرَتْ حقبةَ تشكُّلٍ لأفكاره الراديكالية، لكن يبدو أنه كان وحيداً أو منفرداً، حيث إن تيار تنظيم ما يُعرف بـ “الدولة الإسلامية” (داعش) كان قد هيمن أو زاد أتباعه في الأردن على حساب التيار التقليدي -القاعدة-، رغم أن تلك الحقبة ذاتها كانت سنوات تراجع لهذا التيار، بعد هزائمه في معاقله في سوريا والعراق، وأيضاً في الأردن بعد قتله الطيار الأردني معاذ الكساسبة بطريقة لاقت الاستنكار لبشاعتها، واختطافه لرهائن في قلعة الكرك، ومحاولة تنفيذ عمليات أخرى في السلط وإربد، لكنه كان في تراجع أو بالأحرى في حالة كمون.
هزاع الذي كانت لديه تلك الميول أو بدأت بالتشكل، يبدو أنه كان يراقب نشاطات الخلايا السابقة، ولم يتواصل مع الجيل القديم منهم، فمعظمهم معروفون أمنياً، بل تواصل، وفقاً لوثائق رسمية، مع عناصر التنظيم في الخارج عبر “الماسنجر”، ليناقش “مواضيع وأفكاراً تخص (الجهاد) والحث عليه”.
العمل العسكري
في عام 2020 بدأ هزاع العمل التنظيمي مع مجموعة من الشبان، عبر نشر الأخبار والإصدارات الخاصة بتنظيم داعش عبر (واتساب، فيسبوك، وماسنجر) ونشر أفكاره بين أصدقائهم بهدف إيجاد حاضنة شعبية للتنظيم.
وبدأت المجموعة في التفكير في تنفيذ عمليات عسكرية على الأرض.
وهنا، وفقاً للوثائق الرسمية، برز دوره القيادي بشكل يؤكد ميولاً جهادية برزت من قبل، لكنها كانت تبحث عن مجموعة.
عرض عليه أحدهم تنفيذ عملية ضد أحد المشعوذين في إربد للاستيلاء على سلاحه لاستخدامه في عملياتهم، فعارض هزاع وبقية المجموعة الفكرة لعدم تناسبها مع التصور الجهادي، وعرض هزاع بدلاً من ذلك تنفيذ عملية عسكرية ضد السياح الإسرائيليين، ومن ثم حرس الحدود الأردني، ومن ثم الجنود الإسرائيليين والدوريات المتواجدة على الحدود الجنوبية مع الضفة الغربية، مستغلاً معرفته بتضاريس المنطقة.
لاقت الفكرة قبولاً لتنفيذ الهجوم من خلال منطقة غور الصافي / وادي عربة، مستذكراً أيامه العسكرية في جيش بات يعتبره طاغوتياً.
كان دور هزاع إيصال باقي عناصر الخلية إلى المنطقة الحدودية لقيادتهم فيها بحكم خبرته.
قام وبقية العناصر بمعاينة المنطقة الحدودية ميدانياً أثناء زيارتهم له في الكرك قبل أن تكشف الأجهزة الأمنية مخططهم وتلقي القبض عليهم. حُكِم بالسجن لسبع سنوات بعد سنتين تقريباً من القبض عليه، وخرج بعد قضاء المدة منتصف هذا العام 2026 إذا احتُسِبَت سنة الحبس بتسعة شهور كما هو معمول به في الأردن.
سنوات السجن
ويبدو أن السنوات الخمس في السجن جعلت هزاع عرضة لأفكار أكثر تطرفاً.
تُناقَشُ دوماً في العالم فكرةُ السجناء الراديكاليين وإبقائهم في عنابر/مهاجع مستقلة أم منفصلة؛ في الحالة الأولى يُخشى من تجمعهم تنظيمياً والتسبب بحالة فوضى أو البدء في عمليات فور خروجهم (بوكا، اليمن والخروج الكبير، شغب سجون الأردن وتتعدد الأمثلة).
أما في الحالة الثانية فيُخشى أن ينشروا أيديولوجيتهم بين السجناء الآخرين.
وفي حالة هزاع، يبدو أن تواصله مع آخرين من الجهاديين التابعين لتنظيم داعش أسس لاستمرار العمل العسكري في الأردن، وأدرك أن المرات السابقة قاده فيها التوسع مع “غرباء” (النشاط في إربد في الشمال وهو في الجنوب - شبان قد يكونون مخترقين... إلخ) إلى العودة إلى النمط الأكثر أمناً لدى الجهاديين: تجنيد الأقارب.
فيضمن السرية، وصعوبة الاختراق الأمني، ويسهل عليه إدارة المجموعة.
شقيقه مشعل الذي يظهر في صورة نشرها أبوه ليلة زفافه لا تبدو عليه مظاهر السلفية-الجهادية في اللباس، لكن الصورة في عام 2018، فلا نعلم متى بدأ الشقيق بجذب شقيقه لـ “أخوة جديدة عنوانها الجهاد والدم”.
العامل السوري
أما نسيبه الصغير سناً أحمد، فيبدو أنه كان قد بدأ ميولاً جهادية في سن مبكرة، وأطلق على نفسه لقب “أبو جندل” كَمُعَرِّفٍ على وسائل التواصل الاجتماعي. ومثل الكثير من البيئات العشائرية في الأردن حين يظهر فيها أفراد جهاديون، فهم يستفيدون من الواقع العشائري المحافظ بشكل انتقائي يساعد في تقديم وضع اجتماعي لهم، رغم أنهم لا يرغبون في الالتزام بمستحقاته.
خرج هزاع أكثر راديكالية من السجن، ولا نعرف إن كان قد تواصل مع جهاديين في الخارج. ضربات سلاح الجو الأردني في الجنوب الشرقي لدرعا بُرِّرَتْ بذلك، ويبدو أن التحقيقات مع هزاع وخليته توصلت إلى معلومات بهذا الشأن.
لكن الطرف السوري أعلن عن سقوط مدنيين في القصف، خاصة في الريف الشرقي لدرعا، وبينما نشط عناصر داعش تاريخياً في الريف الغربي -حسبما أوضح أحد المتابعين عن قرب لحركتهم في سوريا لـ “الحكّاء”، شريطة عدم الكشف عن اسمه- إلا أن الأردنيين لم يعلنوا عن قصفهم في الريف الغربي.
من جانب آخر، كانت تقارير إعلامية قد أشارت إلى أن العراق وسوريا قد رفعتا مستوى التنسيق بينهما في ظل بدء تسرب مقاتلين من التنظيم من العراق نحو سوريا، وبالتالي فإن تحركات من هذا النوع إن جرت على حدود الأردن الشمالية، قد تؤكد تواصل هزاع معهم.
كما أن استهداف المسيحيين في كنيسة يذكر بتفجير الدويلعة في سوريا، حيث نفذت واجهة لتنظيم داعش العملية باختيار هدف رخو وسهل يتسبب بالرعب والتغطية الإعلامية.
حيث إن المجموعات الجهادية شهدت تحولات كبيرة بشأن استهداف المسيحيين، وقبل الإشارة إليه، من الضروري الإشارة إلى أن المجموعات السلفية الجهادية في الأردن سعت لاستهداف الكنائس والمسيحيين منذ منتصف التسعينيات، بشكل يشير إلى وجود “تبرير ديني” لدى هؤلاء، يغذيه خطاب يتعامل بإقصائية مع المسيحيين وينتشر لدى قطاعات كبيرة من المتدينين وإن لم يكونوا من الجهاديين.
الموقف من المسيحيين
التحول لدى المجموعات السلفية الجهادية: بعد عملية خطف راهبات من دير في معلولا في ريف دمشق، بدأت جبهة النصرة (التي مرت بتحولات وتحكم سوريا حالياً بعد تحولها إلى هيئة تحرير الشام بعد إسقاط نظام الأسد) والتي حققت تغطية إعلامية عام 2013، بدأت في وقف ورفض العمليات ضدهم، رغم أنهم يتبعون موقفاً فقهياً يكفرهم، لكنهم لا يجوزون الاعتداء عليهم، وهذا كان موقف تنظيم القاعدة.
بينما تنظيم داعش فربطوا تكفير المسيحيين بعدم استئمانهم، وهو ما انعكس على مصادرة أموالهم في الموصل مثلاً مع وضع حرف النون على منازلهم حين سيطر التنظيم على المدينة عام 2014، وقبلها استهداف كنيسة سيدة النجاة في بغداد عام 2010.
وقد كنت كتبت بحثاً عن تصور السلفيين-الجهاديين للمسيحيين، أشاركه هنا، ويمكن تحميله:
لكن، في حالة هزاع، يبدو أنه استعاض عن النمط السائد في استهدافات الكنائس وهو العمليات الانتحارية، بأن كشف وجهه في الهجوم على كنيسة قرية حمود، معتبراً مهمته انتحارية، وقد كانت كذلك لحين اضطرار أحدهم لتسليم نفسه بعد معارك ضارية مع القوات الأمنية الأردنية، وأعلنت السلطات إصاباتهم البليغة ولا يُعرف إن كان هزاع سينجو من إصابته.
هزاع نموذج غير فريد في رحلته نحو الراديكالية، بل يعبر عن رحلة العشرات لا بل المئات، لكن الخطورة تكمن في أن هذه النماذج يصعب التنبوء في سلوكها، وإن كان تطرفها بادياً، لكن سلوك الجماعات التي يرتبطون بها يقدم نمطاً ومجموعة من الأهداف التي يسعون لتحقيقها حسب ظروفهم، ولعل الدموية التي تصرف بها هزاع، ومشعل وأحمد، تعبر عن طبيعة هذا الفكر الذي ينزع لليمين أكثر فأكثر في سلوكه وفي تطرفه.