facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




عضوية الحزب .. خطوةٌ لم أتوقّعها


أ.د سلطان المعاني
29-10-2026 11:31 AM

أمضيتُ عقوداً من عمري في العمل الأكاديمي والإداري والثقافي، تنقلتُ خلالها بين مواقع المسؤولية، وخضتُ تجارب متعددة في مؤسسات التعليم العالي ومجالسها وهيئاتها، وشاركتُ في الشأن العام من أبوابه الفكرية والثقافية والوطنية. وظلّ العمل الحزبي خارج حساباتي الشخصية، مع أنني عاصرتُ تحولات الحياة السياسية الأردنية، وتابعتُ تجارب الأحزاب وأفكارها وبرامجها، وقرأتُ كثيراً في الفلسفة السياسية ونشأة الدولة وتطور المؤسسات وعلاقة المواطن بالسلطة والمجتمع. وكان يكفيني من السياسة أن أفهمها وأقرأ تحوّلاتها وأكتب فيما أراه متصلاً بقضايا الوطن والإنسان.

وجاءت عضويتي الحزبية على نحوٍ عفويٍّ تماماً، في لقاء جمعني بصديق في المكتبة الوطنية، عقب ندوة ثقافية شاركنا فيها. تبادلنا الحديث في موضوعات شتى، ثم باغتني بسؤال مباشر: هل أنت في حزب؟ أجبته بالنفي، فدعاني إلى الانضمام إلى حزب يترأسه. قلت له ببساطة: موافق. وانتهى الحديث إلى ما انتهى إليه، فأصبحتُ عضواً في حزب سياسي، بعد عمرٍ طويلٍ من الابتعاد عن التنظيمات الحزبية، ومن دون مقدمات فكرية أو ترتيبات مسبقة أو رغبة قديمة تنتظر لحظة تحققها.

وأعترفُ أنني، حتى هذه اللحظة، حزبيٌّ بالاسم، أحمل عضوية تنظيم سياسي من دون أن أكون قد مارستُ نشاطاً حزبياً واحداً، أو شاركتُ في اجتماعاته وهيئاته، أو دخلتُ في تفاصيل برامجه وآليات عمله. والأطرف من ذلك أنني ما زلتُ أنتظر دعوةً إلى زيارة الحزب الذي أصبحتُ أحد أعضائه! ولعلّ المفارقة تستحق شيئاً من التأمل؛ فقد عبرتُ أبواب جامعات ومؤسسات عديدة، وتوليتُ مسؤوليات أكاديمية وإدارية، وجلستُ في مجالس تُتخذ فيها قرارات مهمة، وها أنا أدخل الحياة الحزبية من باب كلمة عابرة في لقاء ثقافي.

وأستعيدُ ذلك الموقف متسائلاً عن دوافع الامتناع الطويل. فقد كانت أمامي فرص كثيرة للانتساب إلى أحزاب، وكانت لي صداقات مع شخصيات سياسية وحزبية من اتجاهات مختلفة. وكنتُ أقدّر لبعضها مواقفها وأختلف مع بعضها الآخر، وأحرصُ على إبقاء المسافة التي تتيح لي أن أقول رأيي بحرية، وأن أراجع أفكاري من غير شعور بالالتزام بموقف جماعي. ولعلّ انشغالي بالتعليم والبحث والإدارة، وما رافق ذلك من مسؤوليات، جعل الحياة الحزبية تبدو مجالاً آخر يحتاج إلى وقت وجهد واستعداد نفسي لم أجد موجباً لتوفيره.

وأدركُ اليوم أن المسألة أعمق من مجرد الانتساب إلى تنظيم. فالحزب في جوهره اختيار فكري وأخلاقي، يقوم على رؤية للإنسان والمجتمع والدولة، وعلى تصور للمصلحة العامة ووسائل تحقيقها. ويقتضي الانتماء إليه معرفةً ببرنامجه ومواقفه وبنيته الداخلية، وقدرةً على المشاركة في صياغة قراراته ومساءلتها. وتمنح العضوية صاحبها حقوقاً وتضع على عاتقه مسؤوليات، وفي مقدمتها أن يحتفظ بضميره النقدي، وأن يمارس حقه في الاختلاف داخل المؤسسة التي اختار الانتماء إليها.

وأتساءلُ أيضاً عمّا يمكن أن أقدمه إلى الحزب في هذه المرحلة من عمري. فقد عرفتُ المؤسسات من داخلها، واختبرتُ الإدارة في مستوياتها المختلفة، وتعلمتُ من التجارب أن الأفكار الكبيرة تحتاج إلى أشخاص يعرفون كيف يحولونها إلى مشروعات قابلة للتنفيذ. ووجدتُ في سنوات عملي أن المسؤولية تُقاس بما يتحقق للناس، وبمقدار ما يتركه صاحبها من أثر في المؤسسة والمجتمع. ولعلّ هذا الجانب هو الأقرب إلى اهتماماتي إذا قررتُ أن أخوض التجربة الحزبية بجدية.

وتستوقفني تجربة الأحزاب الأردنية في هذه المرحلة التي تتطلع فيها الدولة إلى تطوير الحياة السياسية وتوسيع المشاركة العامة. فالحياة الحزبية تحتاج إلى ثقافة سياسية تنمو في المجتمع، وإلى ثقة متبادلة بين الحزب والمواطن، وإلى برامج تتناول التعليم والصحة والاقتصاد والثقافة والعمل والشباب، وتقدم حلولاً قابلة للمراجعة والتقويم. ويستطيع الحزب أن يصبح مدرسة للمواطنة حين يفتح أبوابه للحوار، ويستمع إلى الرأي المختلف، ويمنح الكفاءة والخبرة والمعرفة مواقعها المستحقة.

وأفكرُ في تلك المسافة بين المثقف والحزبي. فقد اعتدتُ أن أطرح الأسئلة وأفتش عن الاحتمالات وأراجع المسلمات، وأن أتعامل مع الأفكار باعتبارها مجالاً مفتوحاً للنقد. أما العمل الحزبي فيقتضي أحياناً اتخاذ موقف محدد، والانحياز إلى قرار تتبناه الجماعة. وهنا يبرز امتحان المثقف حين يدخل التنظيم: كيف يحافظ على استقلال عقله، وكيف يوفق بين قناعته الشخصية والتزامه المؤسسي، وكيف يسهم في تطوير أفكار الحزب من داخله؟ وأحسبُ أن قيمة المثقف في أي تنظيم تتحدد بقدرته على إثراء تجربته، وإدخال المعرفة إلى مجال القرار.

وأجدُ في تجربتي المتأخرة شيئاً من طرافة الحياة. فقد أمضيتُ سنوات طويلة أختار أعمالي ومشروعاتي وأحدد أولوياتي، ثم جاءت كلمة «موافق» لتفتح أمامي مجالاً جديداً في مرحلة كنتُ أتطلع فيها إلى شيء من الراحة والتحرر من الالتزامات الوظيفية. وربما كان في الأمر تناقض يستحق الابتسام؛ إذ أبحث عن فسحة أوسع لنفسي، فأجدني أضيف إلى حياتي التزاماً آخر، وكأن الإنسان يحمل معه عاداته القديمة أينما ذهب.

وأعرفُ عن نفسي أنني حين أقبل مسؤوليةً أحرص على إتقانها، وأنني أجد صعوبة في التعامل مع العمل باعتباره حضوراً شكلياً أو لقباً يضاف إلى السيرة الشخصية. ولهذا أشعر بأن استمرار عضويتي على صورتها الحالية يستدعي مراجعة. فإما أن تتحول إلى مشاركة واعية أتعرف من خلالها إلى الحزب وبرنامجه وأعضائه، وأختبر قدرتي على الإضافة، وإما أن أعيد النظر في معنى هذه العضوية وجدواها. وقد تعلمتُ أن احترام المؤسسة يبدأ باحترام المرء لطبيعة علاقته بها.

وأتطلعُ إلى زيارة مقر الحزب في الأيام القادمة، وإلى الجلوس مع قياداته وأعضائه، والاستماع إلى رؤاهم وطموحاتهم، والتعرف إلى ما ينتظرونه من أصحاب الخبرة والمعرفة. وربما أجد مساحة للعمل في قضايا التعليم والثقافة والهوية الوطنية والتنمية، وهي مجالات شغلت جانباً كبيراً من حياتي. وربما أكتشف أن العمل الحزبي يفتح لي أبواباً جديدة لفهم المجتمع، والاقتراب من تطلعات الناس، وقراءة السياسة من داخل مؤسساتها.

وأعودُ إلى ذلك السؤال البسيط الذي طرحه صديقي في المكتبة الوطنية، فأراه اليوم أكثر اتساعاً مما بدا في لحظته الأولى. فقد أجبتُ يومها عن سؤال العضوية بكلمة واحدة، وأصبحتُ مطالباً بأن أجيب عن سؤال المشاركة بالفعل والممارسة. وبين السؤالين عمرٌ من التجربة، ورغبةٌ متجددة في التعلم، وفضولٌ لمعرفة ما يمكن أن تضيفه هذه الخطوة إلى حياتي وما يمكن أن أضيفه إليها.

ولعلّ أجمل ما في الأمر أن الإنسان يستطيع، في أي مرحلة من عمره، أن يكتشف مجالاً جديداً لتجربته، وأن يعيد امتحان أفكاره وقناعاته. أما أنا، فقد أصبحتُ حزبياً على غير توقع، وما زلتُ أحاول أن أستوعب طرافة هذه البداية. وحين أدخل مقر الحزب للمرة الأولى، سأدخل وفي ذهني سؤال يتجاوز صفة العضوية: ماذا يمكنني أن أفعل هنا؟

فقد اعتدتُ طوال حياتي أن أترك في المكان الذي أعمل فيه شيئاً من جهدي وفكري وتجربتي. وأرجو أن أظل وفياً لهذه العادة، حتى في الحزب الذي انتسبتُ إليه بكلمة عابرة، وقد أجد فيه تجربة تستحق أن أرويها ذات يوم.

حزبي الذي أصبحت فيه عضواً، هو حزب المحافظين الأردني. ولعل اسمه والأمين العام للحزب سببان في أن أطمئن بأنني لن أحيد عن مسيرتي تجاه وطني، وخصوصا بعد أن اطلعت على أدبيات الحزب ومنهجه.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :