facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حين يطرق الموت الباب: ماذا يبقى من الإنسان؟


د.عبدالفتاح طوقان
31-10-2026 08:46 AM

تسكن السعادة القلب حين يتعلّم ألّا يبقى أسير الحزن على ما فات، وألّا يرهق نفسه بالقلق مما هو آت، وأن يرضى بما قسم ربّ السماوات. فالرضا لا يعني أن تخلو الحياة من الألم، بل أن يجد القلب في كل حالٍ بابًا إلى السكينة، وأن يثق بأن وراء بعض الأقدار حكمةً قد لا تتضح لنا في حينها.

الحياة رحلة قصيرة بين بدايةٍ لا نختارها ونهايةٍ لا نعرف موعدها. نمضي فيها حاملين أحلامنا، ونلتقي بأرواحٍ تترك فينا أثرًا جميلًا، كأنها مصابيح صغيرة تضيء عتمة الطريق. نحبّ، ونشتاق، ونفرح بتفاصيل بسيطة: كلمة طيبة، ويدٌ تربّت على كتف، ودعاء صادق يصلنا في غيابنا. وقد يكون أدفأ ما في العمر قلبٌ يفهم صمتنا، وصحبةٌ تجعل الأيام أقلّ قسوة.

ومن حِكَم الموت أنه يذكّر الإنسان بحدود الدنيا، ويكشف له أن المال والقوة والجاه أمور عابرة، لا تملك ردّ الأجل المكتوب. كلنا راحلون عن هذه الحياة، مهما بلغت ثروة الإنسان، ومهما اشتدّت قوته، ومهما أحاطت به العلاقات والنفوذ، حتى لو اتصل بأقوى حاكم أو مستبد، أو امتلك من المال مثل ما يُروى عن قارون؛ فلا يستطيع أن يؤخّر لحظةً واحدة من أجله إذا جاء ما كتبه الله له. فالقدر يمضي بأمر الله، ولا تبدّل الثروة موعد الرحيل.

وهنا تقف الأسئلة أمامنا صامتةً وثقيلة: هل فكّرت يومًا كيف ستغادر حياتك؟ كيف ستترك أبناءك وأهلك ومن تحب؟ كيف سترحل من دون مالك وجاهك وثروتك؟ كيف ستوارى تحت التراب، فلا تملك أن ترفع رأسك، ولا يقوى جسدك على النهوض؟ كيف ستسكن أذناك، فلا تسمع أصوات الناس، ويغيب صوتك عنهم؟ وكيف ستفارق ما اعتدت أن تراه وتلمسه وتشعر به؟

إنها لحظة فاصلة، فهل أعددت لها شيئًا؟ ساعتك، وكتابك، ومفاتيحك، ومفتاح سيارتك، وصور أبيك وأمك، وكل ما جمعته واعتدت أن تحمله؛ ستتركه خلفك، وتمضي من الدنيا إلى عالم غيبي لا نعرف تفاصيله إلا بقدر ما جاء في القرآن الكريم والكتب السماوية.

إنها لحظة رحيل موجعة لمن يفارق أحبابه، ومهيبة تدعونا إلى التفكّر والاستعداد، لا إلى اليأس أو الخوف من رحمة الله.

وفي لحظةٍ واحدة، تخرج الروح من الجسد، ويخفت نبض القلب، وتُغمض العينان، ويسكن العقل عن التفكير. عندها ينتهي ضجيج الدنيا، ويبقى للإنسان ما تركه من أثر: ذكرى في القلوب، وكلمة طيبة، وموقف كريم، أو خاطرٌ جبره حين كان غيره عاجزًا عن الاحتمال. قد ينتهي حضور الجسد، لكن أثر المحبة والعمل الصالح قد يظلّ حيًّا في نفوس من عرفونا.

لذلك، من الحكمة أن يقضي الإنسان أيامه على الأرض مؤمنًا، خلوقًا، محترمًا ومتواضعًا؛ كريمًا في عطائه، معينًا للمحتاج والفقير، حريصًا على تربية أبنائه وبناته على الخير والرحمه ، وطنيا جسورا لايخشى قول كلمة الحق .

وليجعل معاشرته لأهله وزوجته ومعارفه قائمةً على الرفق والوفاء وحسن الخلق؛ فالمحبة لا تُقاس بكثرة الوعود، بل بحسن المعاملة في الأيام العادية، وبالوقوف إلى جانب من نحب حين تضيق بهم الحياة.

فلا يوجد بعد لحظة الرحيل وقتٌ لهمسةٍ مؤجلة، أو تراجعٍ عمّا اقترفناه، أو اعتذارٍ لم نقله في أوانه. قد يأتي النداء فيغادر الإنسان دنياه، تاركًا وراءه ما قدّمه وما قصّر فيه. فلنقل كلمة الخير اليوم، ولنردّ الحقوق، ولنطلب الصفح، ولنغفر ما استطعنا، قبل أن يصبح الصمت آخر ما بيننا وبين من نحب.

في الشدائد يُعرف الصبر، وفي النقاش يظهر العقل، وفي المواقف تنكشف معادن البشر. فهنيئًا لمن حرص ألّا يظلم أحدًا، ولا يغتاب، ولا يجرح، ولا يرى نفسه فوق الناس؛ فالتواضع زينة الروح، والرحمة أثر الحب حين يصبح خُلُقًا.

ليس أجمل من إنسانٍ يدخل المجالس خفيفًا ويخرج منها تاركًا سلامًا، ويمرّ في حياة الآخرين فيخفّف عنهم ولا يزيد أثقالهم.

والدرس الذي نتعلّمه من الحياة والموت أن الدنيا فرصة قصيرة للعمل والمحبة والإحسان، وليست موطنًا دائمًا للتفاخر أو الخصام. نعيش بقدر الله، ونرحل بأجله، ولا يبقى لنا بعد الرحيل إلا ما قدّمناه من خير، وما زرعناه في قلوب الناس من أثر طيب. فلنحسن ما بقي من أيامنا، ونصلح ما استطعنا، ونحبّ بصدق، ونتواضع، ونرجو رحمة الله؛ فالموت يذكّرنا بأن الأجل حق، والحياة تعلّمنا كيف نستعدّ له بعمل صالح وقلب سليم.

وليكن دعاء كل منا اللهم ارزقنا طيب الصحبة، وصفاء النفس، ورضا القلب، وحسن الخاتمة. اللهم اجعلنا ممن يتركون وراءهم خيرًا، وأعنّا على ردّ الحقوق وجبر الخواطر، واغفر لنا ولأهلينا ولمن نحب، وارزقنا رحمتك ومغفرتك، واجعل آخر أعمالنا خيرًا وآخر كلماتنا ذكرًا.

aftoukan@yahoo.com





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :