facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




مبادرة رائدة برؤية ملكية مستنيرة: الدبلوم المهني في دبلوماسية العلوم


السفير د. موفق العجلوني
01-11-2026 12:09 PM

* جسر جديد بين العلم والدبلوماسية وبناء المستقبل

في خطوة نوعية تحمل أبعاداً استراتيجية وعلمية ودبلوماسية، وتؤشر إلى رؤية متقدمة في استشراف مستقبل العلاقات الدولية، جاءت مبادرة إطلاق الدبلوم المهني في دبلوماسية العلوم، المستوحاة من رؤية صاحبة السمو الملكي الأميرة سمية بنت الحسن، لتشكل إضافة نوعية إلى مسيرة الأردن العلمية والدبلوماسية، ونموذجاً متقدماً في توظيف المعرفة والابتكار لخدمة المصالح الوطنية وتعزيز التعاون الدولي وبناء السلام.

إنها مبادرة تستحق كل التقدير والاعتزاز، ليس فقط لأنها تقدم برنامجاً تعليمياً ومهنياً متخصصاً، بل لأنها تؤسس لثقافة جديدة في العمل الدبلوماسي، قوامها أن العلم لم يعد شأناً أكاديمياً محصوراً في الجامعات ومراكز الأبحاث، وإنما أصبح أحد أهم أدوات السياسة الخارجية، وعنصراً مؤثراً في صياغة العلاقات بين الدول، والتعامل مع التحديات العالمية المتسارعة.

وإننا، ونحن نتابع هذه الخطوة الرائدة، نتوجه بأسمى آيات التقدير والاحترام إلى صاحبة السمو الملكي الأميرة سمية بنت الحسن، تقديراً لرؤيتها الثاقبة وإيمانها العميق بدور العلم في خدمة الإنسانية، ولجهودها المتواصلة في تعزيز مكانة الأردن العلمية، وتوسيع آفاق حضوره في المحافل والشراكات الدولية. فقد أثبتت سموها، من خلال هذه المبادرة، أن الرؤية الحقيقية لا تكتفي بتشخيص احتياجات الحاضر، بل تستشرف متطلبات المستقبل وتعمل على إعداد الكفاءات القادرة على قيادته.

لقد شهد العالم خلال العقود الأخيرة تحولات عميقة في طبيعة العلاقات الدولية، فلم تعد الدبلوماسية التقليدية وحدها كافية للتعامل مع قضايا تتجاوز الحدود الجغرافية والسياسية، مثل التغير المناخي، وأمن المياه والطاقة، والأمن الغذائي، والأوبئة، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والتطورات التكنولوجية المتسارعة.

وأصبحت المعرفة العلمية والقدرة على فهم التطورات التكنولوجية وتحليل آثارها من المتطلبات الأساسية للدبلوماسي المعاصر.

ومن هنا تبرز أهمية دبلوماسية العلوم، باعتبارها مجالاً متطوراً يربط بين المؤسسات العلمية والحكومات والهيئات الدبلوماسية، ويوظف البحث والابتكار والتعاون الأكاديمي في بناء جسور التواصل والتفاهم بين الدول.

إن دبلوماسية العلوم لا تعني فقط أن يتعرف الدبلوماسي إلى المصطلحات العلمية والتكنولوجية، وإنما أن يمتلك القدرة على فهم أبعادها السياسية والاقتصادية والاستراتيجية، وأن يحول المعرفة العلمية إلى فرص للتعاون الدولي، وأن يسهم في صياغة مواقف وسياسات تستند إلى الأدلة والحقائق العلمية.

وهذا ما يجعل إطلاق هذا الدبلوم خطوة استشرافية مهمة، تنسجم مع متطلبات الدبلوماسية الحديثة وتمنح الأردن فرصة متقدمة للمساهمة في تطوير هذا المجال على المستويين الإقليمي والدولي.

وتكتسب هذه المبادرة أهمية إضافية من خلال الشراكة مع المعهد الدبلوماسي الأردني التابع لوزارة الخارجية وشؤون المغتربين، وهو المؤسسة الوطنية التي تضطلع بدور محوري في إعداد وتأهيل الكوادر الدبلوماسية، وتطوير قدراتها المهنية والمعرفية، ومواكبة التحولات التي تشهدها العلاقات الدولية.

ومنذ تأسيسه عام 1994، شكّل المعهد ركيزة أساسية في تطوير الأداء الدبلوماسي الأردني، من خلال التدريب والتأهيل والبحث في مجالات الدبلوماسية والاستراتيجية والدراسات الدولية.و كان لي الشرف بالمساهمةً في اعطاء العديد من المحاضرات و الندوات وورش العمل في المعهد الدبلوماسي و كذلك في المعاهد الدبلوماسية في الدول العربية الشقيقةً.

ولا شك أن انخراط المعهد في هذه المبادرة، بالتعاون مع المؤسسات العلمية والأكاديمية والشركاء الدوليين، يعكس فهماً متقدماً لطبيعة الدبلوماسية المعاصرة، ويؤكد أهمية التكامل بين الخبرة الدبلوماسية والمعرفة العلمية والتكنولوجية.

وفي هذا السياق، لا بد من الإشادة بدعم معالي وزير الخارجية و شوءون المغتربين ايمن الصفدي للمعهد و بالدور الذي تضطلع به سعادة السفيرة الدكتورة هيفاء الخريشا، مديرة المعهد الدبلوماسي الأردني، في دعم هذا التوجه وتعزيز دور المعهد في مواكبة المستجدات الدولية، والانفتاح على البرامج النوعية التي تسهم في بناء جيل جديد من الدبلوماسيين القادرين على التعامل مع ملفات المستقبل.

إن التعاون بين المعهد الدبلوماسي وجامعة الأميرة سمية للتكنولوجيا والجمعية العلمية الملكية ورابطة خريجي ماري كوري والتحالف الأوروبي لدبلوماسية العلوم، وبالتعاون مع الاتحاد الأوروبي، يقدم نموذجاً مهماً للشراكة بين المؤسسات الوطنية والدولية، ويؤكد أن إعداد الكفاءات المستقبلية مسؤولية مشتركة تتطلب تضافر الخبرات والإمكانات.

ولعل من أهم الجوانب التي تميز هذه المبادرة أثرها المتوقع على الشباب الأردني، ولا سيما خريجي الجامعات والمهتمين بالعلوم والعلاقات الدولية، وكذلك الشباب الطامحين إلى الالتحاق بوزارة الخارجية وشؤون المغتربين والعمل في السلك الدبلوماسي.
فالدبلوماسي الذي سيعمل في عالم الغد لن يكون مطالباً فقط بإتقان اللغات وفنون التفاوض والبروتوكول والتمثيل الرسمي، على أهميتها، بل سيكون مطالباً أيضاً بفهم التحولات العلمية والتكنولوجية، والقدرة على التعامل مع ملفات معقدة تتطلب معرفة متعددة التخصصات.

ومن هنا فإن هذا الدبلوم يفتح أمام الشباب آفاقاً مهنية ومعرفية جديدة، ويمنحهم فرصة الجمع بين العلوم والتكنولوجيا والسياسات العامة والممارسات الدبلوماسية.
كما أنه يوفر للدبلوماسيين الجدد فرصة لتطوير أدواتهم المهنية، وللدبلوماسيين العاملين فرصة لتعميق خبراتهم وتوسيع مجالات اختصاصهم، بما يعزز قدرتهم على تمثيل الأردن والدفاع عن مصالحه في المحافل الدولية التي أصبحت القضايا العلمية والتكنولوجية تحتل فيها موقعاً متقدماً.

ومن المهم أن ينظر إلى هذا البرنامج باعتباره استثماراً طويل الأمد في رأس المال البشري الأردني، وفرصة لربط الكفاءات الوطنية بالشبكات العلمية والدبلوماسية العالمية، وتعزيز حضور الشباب الأردني في مراكز الحوار وصنع القرار.

وتشير التفاصيل المعلنة إلى أن البرنامج المقترح سيمتد على مدى تسعة أشهر، بواقع نحو 300 ساعة تعليمية موزعة على سبع وحدات تدريبية، تتناول موضوعات حيوية، من بينها التغير المناخي والأمن البيئي والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، إلى جانب مهارات التفاوض والتواصل وصنع القرار المستند إلى الأدلة العلمية.

وتكمن أهمية هذا المحتوى في أنه يجمع بين الجانب النظري والتطبيق العملي ودراسات الحالة والمشروعات التطبيقية، بما يتيح للمنتسبين اكتساب معرفة متخصصة قابلة للتوظيف في العمل الدبلوماسي والمؤسسي.

كما أن احتضان جامعة الأميرة سمية للتكنولوجيا لهذا البرنامج يعزز التكامل بين التعليم الأكاديمي والتطبيقات المهنية، ويؤكد أهمية دور الجامعات في إعداد الكفاءات القادرة على مواكبة التحولات العالمية.

ولا يمكن في هذا السياق إغفال أهمية مركز سيسامي، المركز الدولي لضوء السنكروترون للعلوم التجريبية وتطبيقاتها في الشرق الأوسط، بوصفه نموذجاً أردنياً ودولياً متميزاً للتعاون العلمي العابر للحدود، ودليلاً عملياً على قدرة العلم على جمع الدول والباحثين حول أهداف إنسانية مشتركة، حتى في ظل التباينات السياسية.

إن الأردن، بما يمتلكه من مؤسسات علمية وأكاديمية ودبلوماسية راسخة، وبما يتمتع به من علاقات دولية متوازنة وخبرة في بناء الشراكات، يمتلك مقومات مهمة تؤهله للاضطلاع بدور فاعل في مجال دبلوماسية العلوم.

وليس من قبيل المصادفة أن ترتبط هذه المبادرة بإرث علمي ومؤسسي أردني يمتد لعقود، أسهم في ترسيخه و تعزيزه صاحب السمو الملكي الأمير الحسن بن طلال، حفظه الله من خلال دعم المؤسسات العلمية والفكرية وترسيخ ثقافة الحوار والتعاون الإقليمي والدولي.

كما أن استذكار المنتدى العالمي للعلوم الذي استضافه الأردن عام 2017 تحت رعاية جلالة الملك عبد الله الثاني حفظه الله بعنوان «العلم من أجل السلام»، بمشاركة آلاف العلماء وصناع السياسات والأكاديميين من مختلف دول العالم، يؤكد أن هذه المبادرة تأتي امتداداً لمسار أردني يؤمن بأن العلم والمعرفة يمكن أن يكونا من أهم أدوات التقارب الإنساني وبناء السلام.

ومن هنا، فإن الدبلوم المهني في دبلوماسية العلوم لا ينبغي النظر إليه كبرنامج تدريبي منفصل، بل باعتباره جزءاً من رؤية وطنية أوسع لتعزيز مكانة الأردن مركزاً إقليمياً للحوار العلمي والتعاون الدولي، وتوسيع دوره في معالجة القضايا العالمية التي تتطلب تضافر الجهود والخبرات.

إن المبادرات الريادية تقاس بما تتركه من أثر، وبما تفتحه من آفاق أمام الأجيال المقبلة، وبقدرتها على تحويل الأفكار والرؤى إلى مؤسسات وبرامج وممارسات مستدامة.

ومن هذا المنطلق، فإن مبادرة صاحبة السمو الملكي الأميرة سمية بنت الحسن لإطلاق الدبلوم المهني في دبلوماسية العلوم تمثل خطوة تستحق الإشادة والتقدير، لأنها تنطلق من رؤية عميقة لمتطلبات العصر، وتؤمن بأن بناء المستقبل يبدأ بالاستثمار في الإنسان والعلم والمعرفة.

كما أن التعاون مع المعهد الدبلوماسي الأردني، بقيادة سعادة السفيرة الدكتورة هيفاء الخريشا، يعزز القيمة العملية والمؤسسية لهذه المبادرة، ويمنحها بعداً مهماً في تطوير منظومة التأهيل الدبلوماسي الوطني.

إننا بحاجة اليوم إلى دبلوماسي يمتلك المعرفة والقدرة على التحليل، ويجيد الحوار والتفاوض، ويفهم لغة العلم والتكنولوجيا، ويستطيع أن يوظف كل ذلك لخدمة وطنه وتعزيز حضوره الدولي.
وإذا كانت الدبلوماسية في الماضي قد ارتكزت على السياسة والاقتصاد والعلاقات بين الدول، فإن دبلوماسية المستقبل ستتسع لتشمل العلم والابتكار والتكنولوجيا والمعرفة، باعتبارها عناصر أساسية في تشكيل موازين القوة وصياغة الشراكات الدولية.

وهنا تكمن القيمة الحقيقية لهذه المبادرة: إنها لا تعد جيلاً جديداً من المتخصصين فحسب، بل تسهم في إعداد عقلية دبلوماسية أردنية أكثر انفتاحاً واستعداداً للمستقبل.

كل التقدير والاعتزاز لصاحبة السمو الملكي الأميرة سمية بنت الحسن على هذه الرؤية الريادية، وكل التقدير للمعهد الدبلوماسي الأردني، ولسعادة السفيرة الدكتورة هيفاء الخريشا، ولجامعة الأميرة سمية للتكنولوجيا، ولسائر المؤسسات والشركاء الذين أسهموا في إطلاق هذه المبادرة.

إنها خطوة أردنية مضيئة، تؤكد أن الاستثمار في العلم هو استثمار في الدبلوماسية، وأن المعرفة حين تلتقي بالرؤية والإرادة تتحول إلى قوة ناعمة، وإلى جسور للتعاون والسلام، وإلى مستقبل أكثر إشراقاً للأردن وأجياله القادمة.

* المدير العام - مركز فرح الدولي للدراسات والابحاث الاستراتيجية





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :