لله دَرُّكَ جلالة سيدنا .. عندما تكون القيادة بحجم الوطن والرهان بحجم الأردنيين
د. سمر الشديفات
03-11-2026 12:11 AM
خطاب ملكي يؤكد على المعادلة الراسخة التي تحدد خارطة الطريق (أمن ومواطن واقتصاد)، معادلة حوت ترتيب الأولويات ترتيب مدروس..... معادلة لا تقبل القسمة على اثنين. في لحظات التحوّل الكبرى، لا تُقاس حكمة القادة بقدرتهم على مواجهة الأحداث فحسب، بل بقدرتهم على استشراف المستقبل، وتحويل التحديات إلى فرص، ورسم الطريق بثبات حين تتشابك الأزمات. ومن هذا المنطلق، جاء خطاب العرش السامي لجلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، في افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين، خطاباً استثنائياً في دلالاته، عميقاً في رسائله، واضحاً في أولوياته، خطاب قائد يعرف الأردن، ويقرأ واقعه بعين الحكمة، ويستشرف مستقبله بعقل الدولة وإرادة الإنجاز.
لم يكن الخطاب مجرد افتتاح لدورة برلمانية، بل كان إعلاناً متجدداً عن معادلة الأردن الراسخة، أمنٌ لا يُساوَم عليه، ومواطنٌ تتصدر مصلحته كل قرار، واقتصادٌ لا بد أن ينتقل إلى آفاق أوسع من الإنتاج والإنجاز، ودولةٌ تستمد قوتها من تماسك شعبها وصلابة مؤسساتها.
وفي استهلاله الحديث عن شهداء الكرك، تجلّت قوة القائد الذي يجمع بين الحزم والوفاء، فالإرهاب لن يجد في الأردن إلا دولةً عصية، وشعباً متماسكاً، وقيادةً لا تسمح بالمساس بأمن الوطن ووحدته. لقد كان تأكيد جلالته أن دماء الشهداء عهد في أعناقنا رسالةً تختصر معنى الوفاء الوطني، وتؤكد أن حماية الإنسان الأردني وصون كرامته وأمنه مسؤولية لا تقبل التراجع.
لكن العبارة التي تتجاوز حدود السياسة إلى عمق العلاقة بين القيادة والشعب، وتبقى الأكثر رسوخاً في وجدان الأردنيين، هي قول جلالته: (ولا يزال رهاني على الأردني). إنها ليست عبارة عاطفية عابرة، بل فلسفة قيادة تؤمن بأن قوة الدولة الحقيقية تبدأ من وعي المواطن، وحكمته، وإخلاصه، وقدرته على حماية وطنه حين تشتد المحن. فالملك لا يراهن على الأردنيين من فراغ، بل على معدنهم الأصيل، وعلى تاريخهم في الوقوف صفاً واحداً خلف وطنهم وقيادتهم.
ومن أعمق رسائل الخطاب تأكيد جلالته أن (مصلحة الأردني يجب أن تكون في صلب كل قرار لا على هامشه). هنا تتجلى الرؤية الملكية للدولة التي لا تكتفي بإدارة شؤونها، بل تجعل المواطن غاية التنمية وميزان نجاح السياسات. فالتعليم، والعلاج، وفرص العمل، وتحسين مستوى المعيشة، ليست ملفات منفصلة، بل حقوق واستحقاقات ينبغي أن يلمس الأردني أثرها في حياته ومستقبل أبنائه. إنها دعوة صريحة إلى حكومة تقاس إنجازاتها بما تحققه للناس، لا بما تقدمه من وعود.
وفي مسار التحديث الاقتصادي، يضع جلالة الملك الدولة أمام استحقاق الإنجاز، مؤكداً ضرورة تسريع المشاريع الكبرى وتعزيز الاقتصاد الوطني. فالمرحلة المقبلة لا تحتمل الاكتفاء بإدارة التحديات، بل تتطلب بناء اقتصاد منتج، ورفع كفاءة المؤسسات، وتوسيع فرص الاستثمار والعمل، واستثمار الطاقات الأردنية في صناعة نهضة حقيقية. إن الأردن القوي اقتصادياً هو الأردن الأكثر قدرة على حماية قراره، وتعزيز مناعته، وتوفير مستقبل أفضل لأبنائه.
ولم يكن تكرار جلالته: (المياه، المياه، المياه!) مجرد تأكيد بلاغي، بل استشرافاً استراتيجياً لخطر يمس أمن الوطن وحقوق أجياله. فالقائد الذي يضع الأمن المائي في مقدمة الأولويات يدرك أن حماية المستقبل تبدأ بالتخطيط المبكر، وأن السيادة لا تكتمل دون تأمين الموارد الأساسية للحياة.
أما في تأكيده أن (القانون لا يعرف اسماً، ولا منصباً، ولا نفوذاً)، فقد وضع جلالة الملك معياراً واضحاً للدولة التي يريدها: دولة العدالة والمساءلة، حيث الوظيفة العامة خدمة، والمسؤولية تكليف، وهيبة الدولة لا تُصان إلا بسيادة القانون. إنها رسالة حازمة بأن لا امتياز فوق الوطن، ولا حصانة أمام الحق، وأن ثقة الأردنيين بمؤسساتهم هي أساس قوة الدولة واستدامة نهضتها.
وعلى الصعيد السياسي والقومي، بقي الأردن ثابتاً على مواقفه، مدافعاً عن حق الشعب الفلسطيني، ومتمسكاً بثوابته العربية والهاشمية. وفي ذلك تتجلى حنكة قائد يدرك أن قوة الدولة لا تعني التخلي عن المبادئ، وأن الحكمة السياسية لا تنفصل عن الشجاعة في الدفاع عن الحق.
إن خطاب العرش السامي يرسم ملامح أردن المرحلة المقبلة، أردنٌ آمن، منتج، عادل، في الطليعة تكون فيه مصلحة المواطن أساس القرار، والإنتاجية عنوان الاقتصاد، وسيادة القانون ركيزة الدولة، والوعي الشعبي حصن الوطن المنيع.
لقد اختار جلالة الملك أن يخاطب الأردنيين بثقة لا بخوف، وبالأمل لا بالقلق، واضعاً أمامهم حقيقة راسخة، أن الأردن يمتلك من الإرادة والوعي والتماسك ما يجعله قادراً على تجاوز التحديات وصناعة المستقبل.
وحين يقول الملك: (ولا يزال رهاني على الأردني)، فإنه يمنح شعبه أعظم ما يمكن أن تمنحه القيادة لشعبها: الثقة. ويضع في الوقت ذاته أمام الجميع مسؤولية أن يكونوا على قدر هذا الرهان.
فالأوطان لا تنهض بالانتماء وحده، بل بالعمل والإنتاج والإخلاص، ولا تُصان قوتها بالشعارات، بل بالإنجاز والتكاتف. ومن هنا، فإن خطاب العرش ليس كلمات تُستمع إليها ثم تمضي، بل عهد وطني يستوجب أن يتحول إلى واقع نعيشه ونصنعه معاً.
دام الأردن عزيزاً شامخاً، ودامت قيادته الهاشمية عنواناً للحكمة والثبات، ودام الشعب الأردني سنداً ودرعاً وركيزةً للنهضة.
قائدٌ لا يخسر الرهان، وشعبٌ لا ينكسر، ووطنٌ أكبر من التحديات… هذا هو الأردن الذي نؤمن به، وهذا هو المستقبل الذي نصنعه بثقة الملك وإرادة الأردنيين.