سيادة لا تُساوم .. وثوابتٌ لا تتبدل
د. يوسف المواضيه
03-11-2026 12:15 AM
تتزاحم في المنطقة اليوم عواصف واضطرابات متصاعدة، تضع الدول أمام محكات حقيقية تحكُمها قدرتها على الثبات وحماية مصالحها وسط رمال متغيّرة. وفي هذا المشهد، جاء الخطاب الملكي السامي لجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم - في افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين، ليؤكد بوضوح أن الموقف الأردني يوازن بحكمة سياسية رفيعة بين إدارة الأزمات والتمسك المطلق بالثوابت الوطنية والقومية. وقد استهل جلالته كلمته من رحم الميدان، مستحضراً أرواح الشهداء وتضحيات القوات المسلحة والأجهزة الأمنية التي تحرس حمى الوطن ووحدته في وجه الإرهاب.
وعند مقاربة تطورات الإقليم، تعكس المواقف الواردة في الخطاب الملكي نهجاً أردنياً راسخاً؛ فالاعتدال في السياسة الأردنية لم يكن يوماً مهادنة أو تراجعاً تحت الضغط، بل هو فن في إدارة الأزمات يمنع اتساع رقعة الصراع دون تفريط بالحقوق أو تنازل عن استقلال القرار. ومن هنا جاء التأكيد الملكي بأن الأطماع التوسعية الإسرائيلية أكبر تهديد لمستقبل المنطقة وآمالها مقروناً بيقين راسخ بألا سبيل للأمن والاستقرار دون تلبية حق الشعب الفلسطيني في أرضه.
هذا الامتداد القومي يتغذى من إرث هاشمي عريق، يتجلى في إشارة جلالته إلى التمسك بعروبة الأمة والدفاع عن قضاياها - كما كان والده من قبله وسيكون ابنه من بعده - لتبقى الكلمة العربية الموحدة هي الغاية والهدف. وهي رسالة تؤكد أن الالتزام الهاشمي خط استراتيجي عابر للأجيال، يتماهى مع القناعة الراسخة بأن الشعوب لن تنسى، وأن من يراهن على أن الزمن كفيل بطمس الحقيقة فهو واهم، فالحقوق مهما طال الزمن لا تسقط بالتقادم.
ولا تقف السيادة عند حدود الجغرافيا والسياسة الخارجية، بل تضرب جذورها في عمق الأمن الوطني الحيوي؛ ولذا برز الأمن المائي في صدارة الأولويات بنداء حاسم: المياه، المياه، المياه!. تأكيد قاطع على أن أمن الأردنيين المائي خط أحمر لا تقبل أية مساومة ولا ترفض أي تهاون، تترجمه الدولة على أرض الواقع عبر مشاريع استراتيجية كبرى كالناقل الوطني لتصون حق الأجيال القادمة في الحياة والنماء.
أما على الجبهة الداخلية، فقد ربط الخطاب الملكي منعة الدولة بفاعلية مؤسساتها وعدالة قوانينها، مؤكداً أنه لا حصانة لمن يسيء استخدام منصبه أيا كان، فهيبة الدولة وسيادة القانون تتقدمان على كل شيء، والقانون لا يعرف اسماً ولا منصباً ولا نفوذاً. وفي ذات السياق، وُضع مجلس الأمة أمام مسؤوليته الكبرى في الرقابة المسؤولة وخدمة الصالح العام، تأكيداً على أن اختلاف الرأي قوة طالما كانت مصلحة الأردن هي الغاية، لتظل الثقة بالمؤسسات مبنية على الشفافية والمساءلة الحقة.
ولم يغب المواطن الأردني عن صلب هذه الرؤية، بل جعله جلالتة المعيار الحقيقي لنجاح أي سياسة وأي إنجاز؛ فمصلحة الأردني يجب أن تكون في صلب كل قرار لا على هامشه. ومن هذا المنطلق، تصبح مشاريع التحديث الاقتصادي والمشاريع الكبرى مقاسة بأثرها الملموس في حياة المواطنين، وفرصهم، وتعليمهم، وصحتهم، ومستقبل أبنائهم، لا بمجرد إعلانها على الورق.
وتتكامل هذه المنظومة بوعي الأسرة الأردنية الواحدة وصلابة تماسكها، وثقتها المطلقة برجال الوطن في سياجها الأمني والعسكري. وهكذا تتجلى معادلة الأردن الشاملة: ثباتٌ في الموقف، وحكمةٌ في إدارة المتغيرات، ومناعةٌ تُبنى من الداخل. تلك هي السيادة التي لا تُساوم، والثوابت التي لا تتبدل.