الوظيفة العامة في خطاب العرش: حين لا يعرف القانون اسمًا ولا منصبًا ولا نفوذًا
د. محمد حيدر محيلان
03-11-2026 12:24 AM
لم يكن حديث جلالة الملك عبدالله الثاني عن الوظيفة العامة في خطاب العرش ملاحظة إدارية عابرة، بل وضعًا لمعيار واضح في الحكم والإدارة، حين أكد أنه «لا مكان في بلدنا وبيننا لمن يظن أن الوظيفة العامة هي تشريف يرفّعه عن العمل أو خدمة الناس»، وأنه «لا حصانة لمن يسيء استخدام منصبه أيا كان»، ثم حسم القاعدة بقوله: «القانون لا يعرف اسمًا، ولا منصبًا، ولا نفوذًا».
بهذه الكلمات أعاد الملك الوظيفة العامة إلى معناها الأصلي: أمانة لخدمة الناس، لا وجاهة اجتماعية ولا سلطة عليهم. فالمسؤول، مهما علا موقعه، لا يملك المنصب، وإنما يتولاه مدة محددة، ويدير من خلاله صلاحيات وموارد عامة لتحقيق المصلحة العامة. ولذلك لا تُقاس قيمة المسؤول باتساع نفوذه أو عدد من يحيطون به، بل بما ينجزه، وبما يزيله من عقبات أمام الناس، وبقدرته على اتخاذ القرار وتحمل مسؤوليته.
ولا يقتصر سوء استخدام الوظيفة على الاعتداء على المال العام؛ فقد يظهر في تعطيل المعاملات، أو الانتقائية في تطبيق الأنظمة، أو المحاباة، أو حجب المعلومات، أو التهرب من اتخاذ القرار، أو استخدام التعقيدات الإدارية لإرهاق المواطن. كما أن تأخير خدمة يمكن إنجازها، دون مسوغ قانوني أو فني، إخلال بأمانة الوظيفة، حتى وإن لم يظهر في تقارير الرقابة المالية.
غير أن الاختبار الحقيقي لسيادة القانون يبدأ من التعيين وتكافؤ الفرص. فلا يجوز أن يصل بعض أبناء المتنفذين إلى الوظائف والمواقع بفضل الأسماء والعلاقات، بينما يبقى شباب مؤهلون، يحملون الشهادات والكفاءات، سنوات طويلة في الانتظار، يبحثون عمّن يأخذ بأيديهم أو يوصي بهم.
وليس الاعتراض على توظيف ابن المسؤول أو المتنفذ إذا كان مستحقًا وكفؤًا؛ فالمواطنة تمنحه الحق نفسه الذي يتمتع به غيره. إنما الاعتراض على أن تصبح القرابة والنفوذ طريقًا أقصر من الكفاءة والمنافسة، أو أن تُفصّل الشروط لتناسب شخصًا بعينه، أو تُحجب الفرصة عن أصحابها لأنهم لا يملكون اسمًا معروفًا أو بابًا يصلون من خلاله إلى صاحب القرار.
ويبقى التحدي في ألا تمر هذه التوجيهات بوصفها عبارات نتفق عليها نظريًا، ثم نطالب الآخرين بتطبيقها دون أن يبدأ كل مسؤول وعضو مجلس وموظف عام بنفسه. فكلمات الملك لا تحتمل التطبيق الانتقائي؛ بل تمثل قاعدة عامة تبدأ بمن يملك القرار قبل من يخضع له، ومن صاحب النفوذ قبل المواطن الذي لا يملك إلا حقه وكفاءته.
وتبدأ ترجمة هذا التوجيه بإخضاع الوظائف العامة والمواقع القيادية لمنافسة معلنة، وشروط محددة، ونتائج قابلة للمراجعة. كما ينبغي نشر معايير الاختيار وأسباب الترجيح، ومنع تضارب المصالح، وإلزام كل مسؤول بالإفصاح عن أي صلة قرابة أو مصلحة تربطه بالمتقدمين، والتنحي عن المشاركة في القرار عند وجودها.
أما التحول الرقمي الحكومي الكامل، فيمثل أحد أهم الحلول العملية لإعادة بناء العلاقة بين المواطن والإدارة. والمقصود ليس تقديم الطلب إلكترونيًا، ثم مطالبة المواطن بمراجعة الدائرة لاستكماله ورقيًا، بل إنجاز المعاملة كاملة عن بُعد، بدءًا من تقديم الطلب والتحقق من الوثائق ودفع الرسوم، وصولًا إلى متابعة مراحل الإنجاز واستلام النتيجة إلكترونيًا.
ويؤدي هذا التحول إلى تقليل الاحتكاك المباشر الذي قد يفتح أبواب المحاباة أو الرشوة، ويمنع تجاوز الدور، ويجعل كل إجراء وقرار ومدة تأخير مسجلة وقابلة للتدقيق. كما يخفف الازدحام أمام الدوائر الحكومية، وأزمات السير، وكلفة التنقل، وضياع ساعات العمل، ويجنب كبار السن وذوي الإعاقة وسكان المحافظات مشقة مراجعة المؤسسات في العاصمة أو مراكز المدن.
لكن الرقمنة الحقيقية لا تعني نقل الروتين من المعاملة الورقية إلى شاشة إلكترونية؛ بل تقتضي مراجعة الإجراءات وحذف غير الضروري منها، وربط قواعد بيانات المؤسسات، حتى لا تطلب جهة حكومية من المواطن وثيقة صادرة أصلًا عن جهة حكومية أخرى. كما تتطلب تحديد مدة ملزمة لكل خدمة، وإشعار المواطن بسبب التأخير، وتمكينه من الاعتراض أو تقديم الشكوى إلكترونيًا، مع توفير مراكز مساعدة لمن لا يملكون المهارات أو الأدوات الرقمية.
وتحتاج الإدارة العامة كذلك إلى مؤشرات تقيس زمن إنجاز الخدمة وجودتها وعدالة تقديمها، ومقدار ما وفرته الرقمنة على المواطن والدولة. فالمساءلة لا ينبغي أن تكون موسمية، بل جزءًا ثابتًا من عمل المؤسسة، يكافئ الموظف المجتهد، ويعالج التقصير، ويحمي الموظف النزيه من الضغوط والتدخلات.
وينبغي أن يكون مجلس الأمة، بشقيه، رمزًا وأنموذجًا في السلوك العام والممارسة المسؤولة؛ فهو لا يشرّع للناس ويراقب أداء الحكومة فحسب، بل يُنتظر من أعضائه أن يكونوا أول الملتزمين بالقيم والمعايير التي يدعون المؤسسات والمواطنين إلى احترامها. وقد أكد جلالة الملك أن الأردنيين لا ينظرون إلى ما يصدر عن قبة البرلمان من قوانين فقط، بل إلى ما يصدر عنها من سلوك وخطاب، بما يجعل القدوة جزءًا أصيلًا من المسؤولية النيابية.
ومن هنا، فإن عضو مجلس الأمة مطالب بتقديم المصلحة العامة، وتجنب تضارب المصالح، والابتعاد عن توظيف المكانة النيابية لتحقيق منفعة خاصة له أو لأقاربه أو أنصاره. فمصداقية الرقابة تبدأ من نزاهة الرقيب، ولا يستقيم أن يطالب النائب الحكومة بالشفافية وتكافؤ الفرص، ثم يقبل لنفسه أو لمن حوله ما ينتقده لدى الآخرين.
إن قوة مجلس الأمة لا تُقاس بعدد القوانين والأسئلة والاستجوابات وحدها، بل بما يقدمه أعضاؤه من نموذج في احترام القانون، وأدب الخطاب، ونظافة السلوك، والاقتراب من هموم المواطنين. فالنائب لا يمثل ناخبيه تحت القبة فقط، وإنما يمثل المؤسسة التشريعية في تصرفاته ومواقفه، ويحمل مسؤولية المحافظة على ثقة الناس بها.
لقد وضع خطاب العرش الجميع أمام قاعدة لا تقبل الاستثناء: القانون لا يعرف اسمًا ولا منصبًا ولا نفوذًا. واحترام هذه الرسالة لا يكون بترديدها والإشادة بها، بل بتطبيقها أولًا على الأقربين وأصحاب القرار ومن يملكون النفوذ. فعندما يتساوى ابن المسؤول وابن المواطن أمام فرصة معلنة ومعيار واحد، وعندما تُنجز المعاملة دون واسطة أو زيارة أو توصية، تستعيد الوظيفة العامة معناها، ويشعر الأردني بأن الدولة دولته، وأن القانون مظلته، وأن العدالة ليست وعدًا يُقال، بل حقًا يراه ويعيشه.
فهل وصلت رسالة الملك لاصحابها؟ ام يعتبرونها موجهة لسواهم؟.