خطاب العرش السامي: ثوابت الدولة ورهانات الإنجاز ومسؤولية المرحلة
أ.د كامل محادين
03-11-2026 12:24 AM
من وجهة نظري، فإن خطاب العرش السامي لجلالة الملك عبدالله الثاني اليوم لم يكن مجرد خطاب لافتتاح الدورة العادية لمجلس الأمة، بل حمل رسائل سياسية ووطنية واضحة، ورسم ملامح الأولويات التي ينبغي أن تحكم أداء الدولة ومؤسساتها في المرحلة المقبلة.
إن الأردن، بما يمتلكه من مؤسسات راسخة وقيادة واعية وشعب متماسك، استطاع أن يحافظ على أمنه واستقراره رغم ما تشهده المنطقة من اضطرابات وتحديات. وقد جاء تأكيد جلالة الملك على أن أمن الأردن واستقراره وسيادته خطوط حمراء لا تقبل المساومة، ليعكس ثبات الموقف الوطني، والحرص على حماية الدولة وصون منجزاتها.
كما أن استحضار شهداء الكرك يحمل دلالات عميقة تتجاوز استذكار الألم والتضحيات، فهو تذكير بأن أمن الوطن مسؤولية مشتركة، وأن دماء الشهداء أمانة في أعناقنا جميعاً، تستوجب المزيد من الوحدة الوطنية واليقظة والتكاتف.
وأرى أن من أبرز الرسائل التي تضمنها الخطاب التأكيد على سيادة القانون وترسيخ مبدأ المساءلة والمحاسبة، فلا يجوز أن يكون الموقع أو المنصب أو النفوذ حصانة لأي شخص، فالدولة القوية هي التي تطبق القانون على الجميع دون استثناء، وتصون حقوق المواطنين، وتعزز ثقتهم بمؤسساتها.
وفي تقديري، فإن التحدي الأهم الذي يواجه الحكومة ومجلس الأمة اليوم هو ترجمة التوجيهات الملكية إلى برامج تنفيذية وإنجازات ملموسة. فالمواطن لا ينتظر المزيد من الوعود بقدر ما ينتظر نتائج تنعكس على مستوى معيشته وفرص عمله وخدماته ومستقبله.
إن تسريع المشاريع الاقتصادية الكبرى، وتعزيز الاستثمار، وتوفير فرص العمل، وتحقيق الأمن المائي، ليست مجرد عناوين في برنامج حكومي، بل ملفات تمس الأمن الوطني والاستقرار الاجتماعي وحقوق الأجيال القادمة، وتحتاج إلى قرارات عملية وجداول زمنية واضحة ومتابعة ومساءلة.
وعلى الصعيد العربي، فإن تأكيد جلالة الملك على الموقف الأردني الثابت تجاه فلسطين وغزة والقدس يجدد التأكيد على أن القضية الفلسطينية ستبقى في صلب الموقف الوطني الأردني، وأن الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة مسؤولية سياسية وإنسانية لا يمكن تجاوزها أو التخلي عنها.
إنني أرى أن خطاب العرش وضع أمام الجميع مسؤولية وطنية واضحة؛ فالحكومة مطالبة بالإنجاز، ومجلس الأمة مطالب برقابة فاعلة ومسؤولة، ومؤسسات الدولة مطالبة بتعزيز كفاءتها ونزاهتها، كما أن المرحلة تتطلب شراكة وطنية حقيقية تقوم على الثقة والعمل والمساءلة.
إن قوة الدولة لا تقاس فقط بقدرتها على مواجهة التحديات، وإنما أيضاً بقدرتها على تحقيق العدالة، وصون كرامة المواطن، وتوفير مقومات الحياة الكريمة له.
ومن هنا، فإن ترجمة مضامين خطاب العرش إلى واقع ملموس هي الاختبار الحقيقي لأداء مؤسساتنا في المرحلة المقبلة.
حفظ الله الأردن، قيادةً وشعباً، وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار.