خطاب العرش السامي .. حين تكون هيبة الدولة مسؤولية .. والوطن أمانة .. والمستقبل مشروعاً وطنياً
د. ريما أبو العيس العموش
04-11-2026 09:07 AM
لم يكن خطاب العرش السامي لجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، في افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين، مجرد خطاب دستوري لافتتاح دورة برلمانية جديدة، بل جاء محمّلاً برسائل وطنية وسياسية عميقة، عكست بوضوح طبيعة المرحلة التي يمر بها الأردن، وحددت ملامح المسؤولية المطلوبة من مؤسساته وقواه الوطنية.
لقد حمل استهلال جلالة الملك حديثه عن شهداء الكرك دلالة تتجاوز التعبير عن الحزن والأسى؛ فهو تأكيد على أن أمن الأردن ووحدته الوطنية خط أحمر، وأن دماء الشهداء ستبقى أمانة في أعناق الأردنيين، وأن مواجهة الإرهاب لا تكون بالقوة الأمنية وحدها، بل أيضاً بترسيخ الوعي الوطني، وتعزيز تماسك المجتمع، وحماية النسيج الأردني من كل محاولات الاختراق والتفكيك.
وفي تأكيده أن قوة الأردن تكمن في شعبه، وضع جلالته يده على جوهر المعادلة الوطنية؛ فالدول لا تصمد بقوة مؤسساتها فقط، وإنما بوعي شعوبها، ووحدة صفها، وثقتها بقدرتها على تجاوز المحن. وهي رسالة تؤكد أن المواطنة الحقيقية مسؤولية وموقف وانتماء، وليست مجرد شعارات.
أما في الشأن الفلسطيني، فقد جاء الموقف الملكي امتداداً لثبات أردني تاريخي لا يقبل المساومة، وتأكيداً أن لا أمن ولا استقرار في المنطقة دون إنصاف الشعب الفلسطيني وتمكينه من حقوقه المشروعة. وهو موقف يعكس أن الأردن، بقيادته الهاشمية، لا يتعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها ملفاً سياسياً عابراً، بل باعتبارها قضية حق وكرامة ومسؤولية تاريخية.
وعلى المستوى الداخلي، حمل الخطاب رسائل واضحة لمجلس الأمة والحكومة، مفادها أن المسؤولية العامة ليست امتيازاً ولا وجاهة، بل تكليف ومحاسبة وخدمة للمواطن. فحين يؤكد جلالة الملك أن مصلحة الأردني يجب أن تكون في صلب كل قرار، فإنه يضع معياراً واضحاً لقياس نجاح السياسات العامة: أثرها الحقيقي في حياة الناس، وفي فرص العمل والتعليم والعلاج ومستقبل الأجيال.
كما أن تخصيص الأمن المائي بهذه اللغة الحاسمة يعكس إدراكاً عميقاً لطبيعة التحديات الاستراتيجية التي تواجه الأردن، ويؤكد أن حماية الموارد الوطنية ليست خياراً مؤجلاً، بل أولوية تتطلب التخطيط والاستباق والاستدامة.
ولعل الرسالة الأكثر وضوحاً في الخطاب هي أن هيبة الدولة وسيادة القانون لا تتجزآن، وأن الوظيفة العامة مسؤولية لا حصانة، وأن القانون يجب أن يسمو على الأسماء والمناصب والنفوذ. وهذه هي القاعدة التي تقوم عليها دولة المؤسسات والعدالة وتكافؤ الفرص.
إن خطاب العرش السامي يضع الجميع أمام مسؤولياتهم؛ فالمطلوب اليوم ليس أن نحسن الإصغاء إلى التوجيهات الملكية فحسب، بل أن نحسن ترجمتها إلى عمل وإنجاز ومواقف. فالأوطان لا تُصان بالأمنيات، ولا تُبنى بالشعارات، وإنما بإرادة صادقة، ومؤسسات مسؤولة، ومواطن يشعر أن كرامته ومصلحته ومستقبل أبنائه في صميم اهتمام الدولة.
وأنهى جلالة الملك خطابه بقوله اعتمد على #بركم #بهذه #الأرض .
فتراب الأردن هو الأم التي احتضنت كل أردني وواجب علينا برها.
حفظ الله الأردن عزيزاً آمناً مستقراً، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وسمو ولي عهده الأمين، وأدام على وطننا نعمة الأمن والوحدة والاستقرار.