facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الصغارة


جواد البشيتي
23-03-2013 05:49 AM

كما الشجرة تَدُلُّ عليها (أيْ على نوعها) ثمارها، نَسْتَدِلُّ على "الصغير" من البشر ببعضٍ مِمَّا تتَّسِم به بُنْيَتِه السَّيْكولوجيَّة (وسلوكه) من صفات وخصائص؛ فعندما تُحاوِر شخصاً، وتَنْتَقِد وجهة نظره في أمْرٍ ما، فَتَثور، من ثمَّ، ثائرته، ويَخْرُج عن طوره، ويتصرَّف كالموتور، أو كالذي انْتُهِكَ عرضه، فاعْلَم، عندئذٍ، أنَّه ساذج، لا يميِّز "التطاول على كرامته" من "التطاول" على وجهة نظره، التي لو أمْعَن هو فيها النَّظر، متحلِّيَّاً بنزرٍ من الموضوعية، لاكتَشَف أنَّها ليست بِنْتاً له (أو لعقله) إلاَّ من طريق التَّبَنِّي؛ فهي إلى غيره تعود، في أصلها وجوهرها؛ وربَّما في جُلِّ "حجمها".

واعلَم أنَّه "صغير" إذا ما رأيْتَه مُفْرِطاً مُفَرِّطاً في كل أمْرٍ؛ فـ "الحَبَّة" يراها (ويريد لكَ أنْ تراه معه) في حجم "قُبَّة"؛ و"القُبَّة" يراها "حَبَّة"؛ وهو لا يرى من "الواقع" المُلوَّن بألوان "قوس قُزَح"، وبما يأتي به امتزاجها من ألوان، إلاَّ لونين اثنين لا غير: "الأبيض" و"الأسود"، الذي ليس بلونٍ، وإنْ وُصِفَ بأنَّه "سيِّد الألوان". إنَّه (في سلوكه، ومواقفه الواقعية والعملية) عَدُوٌّ لدود للمتنبِّي؛ ففي عينه تَعْظُم الصغائر، وتَصْغُر العظائم؛ فكيف له أنْ يَسْتَجيب، أو يُحْسِن الاستجابة، لتحدِّيات الحياة؟!

واعلَم أنَّه "صغير" إذا ما رأيْتَه يتصالح مع كل واقِعٍ بدا متصالحاً مع "نَصٍّ" قَدَّسَه ووَثَّنَه وصَنَّمه، ويعادي كل واقِعٍ تَعَذَّر على "النَّص" أنْ يُكْسِبَه شيئاً من "الشَّرعية"؛ فـ "الواقع"، في ثقافته ومُعْتَقِده، لن يكون "واقعياً (شرعياً)" إلاَّ إذا اشْتُقَّ من "النَّص"، أو جاء بما يقيم الدليل على صواب "نَصٍّ"، انْتَزَعَهُ وأخْرَجَهُ من "التاريخ"، ليُدْخِلَهُ في "ملكوت الحقائق المُطْلَقَة".

إنَّه يَسْتَنْفِد جهده ووقته في "صناعة الكلام"، مُتَّخِذاً التدليس اللغوي طريقاً إلى إثبات شيء واحد لا غير هو أنْ لا جديد تحت الشمس؛ فـ "الجديد" إنَّما هو نفسه "القديم"، لكنَّه لَبِسَ لبوساً جديداً فحسب؛ والقديم" هو الذي يتجدَّد في استمرار.

واعلَم أنَّه "صغير" إذا ما رأيْتَهُ شجرةً لا تَعْرِف من الانتماء إلاَّ إلى ما هو منها تحت التراب، أيْ الجذور؛ أمَّا انتماؤها إلى "الآفاق"، على رحبها واتِّساعها، فهو الشَّر المستطير؛ إنَّه لا ينحاز، ولا يتعصَّب، إلاَّ إلى ما لَمْ يَخْتَر، وما لَمْ يُرِدْ، كجِذْرِه في الدَّم والعِرْق؛ أمَّا ما اختاره، وأراده، هو بنفسه، من انتماء فكري (إذا ما اختار وأراد) فلا وزن له، ولا أهمية، عندما يُخْتَبَر، وزناً وأهميةً، في الشَّدائد والمَلمَّات؛ ففي "الزَّمن الهادئ" هو يساري أو ماركسي أو ليبرالي أو ديمقراطي أو علماني..؛ لكنه ما أنْ تَقَع الواقعة حتى يرتدَّ إلى البغيض والكريه من كل انتماء.
واعلَم أنَّه "صغير" إذا ما رأيْتَهُ يُجالِس ويُكلِّم وليَّ نِعْمَتِه، أو وليَّ أمْره؛ وإذا ما رأيْتَهُ يُعامِل مرؤوسيه، أو مَنْ هُم أقل منزلةً ومكانةً منه، كما يُعامِل السيِّد أقنانه؛ فهو "الحَمَل الوديع" في حَضْرة "الأقوياء"، وهو "الأسد" على "الضُّعفاء" و"المُسْتَضْعَفين".

واعلَم أنَّه "صغير" إذا ما رأيْتَ ظاهره غير باطنه، وباطنه غير ظاهره؛ وإذا ما رأيْتَ بين قوله وفعله هُوَّة سحيقة؛ وإذا ما شَقَّ عليكَ تمييز "وعده" من "رعدةٍ في سماء صافية الأديم"؛ فلا شيء يَسْتَرْخِصه كـ "الكلمة"، ولا شيء يَسْتَغْليه كـ "الالتزام". إنَّه سَخيُّ "اللسان"، بخيل "اليد".

واعلَم أنَّه "صغير" إذا ما رأيْتَهُ مُسْتَهْلِكاً (مُفْرِطاً في الاستهلاك، ولا يجيده) لكل ما يُنْتِجه غيره من مادةٍ وفكرٍ؛ فإذا أنْتَج فلا يُنْتِج إلاَّ ما لا يلبِّي حاجة لدى إنسان القرن الحادي والعشرين.
واعلَم أنَّه "صغير" إذا ما رأيْتَه يَنْسِب كل ما حلَّ به من مصائب وكوارث، وكل فَشَلٍ وإخفاق انتهى إليه عمله ومسعاه، إلى "القضاء والقدر"، أو إلى غير يديه، وكأنَّه لا يَنْضَح إلاَّ بالنجاح، وبخير الأمور؛ يُعظِّم شأنه إذا ما نجح، ويُحَمِّل "القضاء والقدر" مسؤولية فشله وإخفاقه؛ فمتى يتعلَّم العيش في "العالَم الواقعي"، وفي عالَم الموازين والمقاييس الواقعية، والذي فيه نرى الأشياء والناس والأفكار في أوزانها وحجومها الحقيقية؟!
أقول هذا وأنا أعْلَم أنْ ليس من وجود لِمَا يُسمَّى "الطبيعة الثابتة" للإنسان؛ فـ "التاريخ"، والذي نرى فيه "الحركة" و"التقدُّم"، يُعيد، في استمرار، صياغة سيكولوجيا الفَرْد والجماعة.

jawad.albashite@alarabalyawm.net
العرب اليوم





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :