هيبة الدولة: المفهوم والتطبيق
03-06-2013 04:16 PM
عمون -المحامي الدكتور نوفان العجارمة - لقد تردد كثيرا اصطلاح هيبة الدولة في الآونة الاخيرة، فهذه العبارة نجدها تترد في وسائل الاعلام ، وعلى الالسنة المواطنين ، وفي خطاب الحكومة، وحتى في كلمة جلالة الملك عندما استقبل مجلس النواب في الديوان الملكي ، عندما استخدم جلالته تعبيرا مرادفا الا وهو مبدأ سيادة القانون، وتطبيقه على الكافة بعدالة وحزم .
الهَيْبَةُ هي المهابة، وهي الإجلال والمخافة والعظمة، وهاب فلان حذره وخافه (كما جاء في المعجم الوسيط)، ويقول الشاعر : وما تهيّبني الموماة اركبها .... اذا تجاوبت الاصداء بالسّحر .
الهيبة من المنازل التي تتغلغل للفكر الإنساني نتيجة تصرفات صحيحة تقود للاحترام والمهابة، وعكس ذلك فإن التصرفات غير الصحيحة تقود لعدم الاحترام والاستخفاف سواء أكان من الأفراد، أم من الدولة، وسواء تعلق هذا الامر بالتصرفات و الاعمال او حتى مجرد الافكار .
وكفاتحة للحديث في هذا الموضوع لابد لنا من تحديد مسألة اولية الا وهي الدولة القانونية او دولة المؤسسات، ثم نعرج على الاسباب التي ادى الى زعزعة هذا المفهوم لدى المواطن والتي لابد من معالجتها .
اولاَ: مفهوم الدولة القانونية أو مبدأ سيادة القانون :
يقصد بمبدأ بالدولة القانونية مبدأ سيادة القانون باختصار شديد ضرورة احترام القانون، ولكن ماذا يقصد بالقانون في هذا الصدد؟ وعلى من يجب هذا الاحترام؟
يقصد بالقانون هنا، القانون في معناه الواسع أو في مدلوله العام، بمعنى جميع القواعد القانونية الوضعية التي تجسد النظام القانوني للدولة، أياً كان مصدرها، وسواء أكانت داخلية أم خارجية، مكتوبة أو غير مكتوبة. ومن ثم فهو يشتمل على الدستور – المواثيق أو الإعلانات – أحكام القضاء، المبادئ العامة للقانون، المعاهدات الدولية، القواعد العرفية، التشريعات العادية، الأنظمة... الخ.
أما عن الشق الثاني من التساؤل، فإنه يمكن القول إن احترام القانون يجب من ناحية، على كافة الهيئات والسلطات العامة داخل الدولة سواء فيما بينها أو في علاقتها بالأفراد، كما أنه يوجب من ناحية أخرى، على الأفراد ذاتهم سواء فيما بينهم أو في علاقتهم بالهيئات والسلطات العامة. وجوهر هذا المبدأ يكمن حقيقة في سيادة حكم القانون بين الفرد والسلطة أو بمفهوم أعم بين الفرد والدولة، إذ أن العلاقات القانونية فيما بين السلطات العامة بعضها ببعض، وكذلك بين الأفراد ذاتهم، هي علاقات ذات أطراف متساوية. ولكن الأمر مختلف بالنسبة للعلاقة بين الفرد والدولة. إذ لا تكون بين طرفين متساويين، بل تكون الدولة فيها على قدر أعلى من الفرد وذلك بموجب السلطة العامة التي منحت لها، والأجهزة المختلفة المزودة بها لضمان أمن المجتمع وسلامته. ولهذا توصف الدول التي يسودها هذا المبدأ بالدولة القانونية في حين لا وجود ولامكان لهذا المبدأ (مبدأ سيادة القانون) بالدولة البوليسية، ففي الدولة البوليسية ليس للأفراد حق قبل الدولة وللإدارة سلطة تقديرية مطلقة في اتخاذ الإجراءات التي تحقق الصالح العام للجماعة. أما في الدولة القانونية فلا تستطيع الإدارة أن تتخذ أي إجراء قبل الأفراد إلا وفقا لقواعد قانونية موضوعة مقدما تحدد حقوقهم .
ان مبدأ سيادة القانون ضرورة للحاكم والمحكوم على حد سواء ، فالحاكم يجب أن لا تغيب عنه دائما حقيقية انه حاكم اليوم ومحكوم غدا، وان الفترة التي يقضيها محكوما في حياته هي أكثر بكثير من الفترة التي يقضها حاكما ، والحاكم عندما يصبح محكوما يصبح بحاجة ماسة إلى حماية القانون ، لاسيما الذين يعيشون في بوتقة الحياة العامة واتونها .
ثانياً : احترام القانون ضرورة ملحة من اجل بقاء الدولة واستمراها:
إن من مبادئ المواطنة الصحيحة احترام سيادة القانون واحترام أجهزة الدولة المختلفة التي تقوم على تطبيق هذه القوانين لإشاعة الأمن والأمان في بلدنا العزيز ، أن سياسة الأمن الناعم يجب إن تقى كقاعدة اساسية في التعامل مع الفعاليات المختلفة التي تقع في إطار القانون وبمظاهرها السلمية، لكن تحول البعض إلى التجاوز على القانون أمر يجب عدم السماح به فهو مناف تماما للحراك الديمقراطي وأساليبه وأطره المعروفة للجميع إذ لا يمكن تبرير قطع الطرق ومحاولات الاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة والادعاء في ذات الوقت أنها فعاليات مشروعة ؟؟؟
ان القانون لا يعمل بطريقة خارق للعادة، ولا تنظم العلاقات بين أفراد المجتمع أو بين الفرد والدولة بصورة تلقائية، بل إن تطبيق القانون يتطلب قوة شرعية تعمل على صيانته واحترامه وانفاذ احكامه، وبدون التنفيذ الصحيح للقانون يصبح مجرد وثيقة شكلية حبر على الورق.
وتؤكد أغلب دساتير العالم ومنها دستورنا الأردني على أهمية الفصل بين السلطات كمبدأ أساسي لا يمكن الحياد عنه لبناء دولة القانون على أساس مؤسساتي ديمقراطي يخدم المجتمع، ولا يسمح للفرد بالتسلط والتفرد باتخاذ القرار والانقلاب على شرعية الحكم، وهذا المبدأ يجعل للقضاء هيبة وسطوة ويضع الجميع تحت طائلة القانون. ومن المؤكد أن وجود سلطة قضائية مستقلة تتيح للفرد مقاضاة السلطات العامة في أي تصرف مخالف للقانون، يعني قيام دولة القانون كما يعني حماية حقوق المواطن وحريته ويحول دون قيام نظام استبدادي أو لجوء الناس إلى اخذ حقوقهم بأيديهم، بحيث توجد القناعة التامة بسيادة القانون والإيمان بدستورية الدولة.
على ان لا يفهم من مبدأ الدولة القانونية أو مبدأ سيادة القانون السابق بيانه، ان يقف هذا المبدأ حجر عثرة امام الحكومة في الظروف الاستثنائية ، فبعض الأعمال أو التصرفات الإدارية والمعتبرة غير مشروعة في الظروف العادية، تعتبر مشروعة في الظروف الاستثنائية، إذا ما ثبت لزومها لمواجهة هذه الظروف والمحافظة على النظام العام أو دوام سير المرافق العامةـ فللحكومة عند قيام حالة استثنائية تمس الأمن والطمأنينة سلطة تقديرية واسعة، لتتخذ من التدابير السريعة الحاسمة ما تواجه به الموقف الخطير، إذ بقدر الخطر الذي يهدد الأمن و النظام بقدر ما تطلق حريتها في تقدير ما يجب اتخاذه من إجراءات وتدابير لصون الأمن والنظام، وليس يتطلب من الإدارة في مثل الظروف الخطرة ما يتطلب منها في الظروف العادية من الدقة والحذر حتى لا يلفت الزمام من يدها فضرورة بقاء الدولة واستمرارها، أمر منطقي، يبرر في الواقع الخروج على مبدأ المشروعية العادية لمواجهة الظروف الاستثنائية، إذ ما فائدة احترام القوانين وما فائدة عدم الخروج على ما تقضي به من أحكام، إذا كان من شأن ذلك انهيار الدولة ذاتها أو اختفائها ؟؟ فالشرط الأوللتنفيذ القوانين واحترامها، وهو وجود دولة قادرة على تحقيق ذلك، فإذا لم توجد هذه الدولة، أو لم تعد قادرة على تنفيذ القوانين واحترامها، لم تعد هناك مصلحة أو فائدة من التمسك بمبدأ المشروعية او مبدا سيادة القانون ، الذي سينهار بدوره تبعاً لذلك؟؟
ثالثاً : ما هو المطلوب : ان الحافظ على هيبة الدولة يتطلب ما يلي :
1. ان انفاذ حكم القانون واجب ملقى على عاتق الحكومة و ليس حقا تترخص باستعماله: فالمشرع يضع حكماً ختامياً في كل قانون يقول (رئيس الوزراء و الوزراء مكلفون بتنفيذ احكام هذا القانون)، يجب ان يسود القانون في جميع مفاصل الحياة السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية، وتطبيقه على جميع المواطنين من دون محاباة لأي متجاوز على القانون كائناً من كان، ويجب ان يكون هذا التنفيذ عادلا يحمي الحقوق والحريات ، التي اعترف بها الدستور ، فهدف الدولة القانونية هو حماية حقوق الأفراد وحرياتهم .
2. وجود اصلاح اداري الحقيقي : لا يمكن الحديث عن الاصلاح السياسي او لإصلاح الاقتصادي، في ظل وجود خلل واضح في علاقة الموظف مع الدولة، ان الذي يفرض هيبة الدولة هو الموظف العام- فالدولة كشخص معنوي لا تمارس عملا - فاذا كان ثمة خلل ما بينه وبين الدولة ، فان المساس بهيبة الدولة يمر عبر هذا الخلل ، لذلك لابد من وجود اصلاحي اداري حقيقي يعيد الى الوظيفة العامة مكانتها المفقودة ، فالوظيفة العامة تعتبر الشريان الحيوي لتحقيق أهداف المجتمع، والنهوض بمستواه في كافة ميادين الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، لا فرق في ذلك بين مجتمعات متقدمة وأخرى نامية، خاصة بعد انتهاج سياسة التدخل، ومن ثم تغير دور الدولة من مجرد الدفاع عن أمن الوطن من الخارج والداخل وإقامة العدل بين الناس، إلى تحقيق رفاهية المواطنين وتغلغلها بالتالي في صميم النشاطات الخاصة.فالموظفون يشكلون بحق الطاقة الفعالة أو القوة المحركة للإدارة في مباشرة نشاطها، والقيام بواجباتها تحقيقاً للسياسة العامة للدولة؛ إذ مهما بلغت الدقة في تنظيم تلك الإدارة، أو مهما بلغ الاهتمام بتزويدها بالإمكانيات المادية اللازمة، فإن نجاحها يتوقف دون شك على مدى قدرة العاملين بها على أداء رسالتها والنهوض بمسئوليتها، فالموظف العام عقل الدولة المفكر و ساعدها المنفذ.
3. مأسسة انتقاء القيادات الإدارية أو الصف الأول من رجال الإدارة العامة : من حيث تطبيق مبدأ تكافؤ الفرص و الذي يتخذ من الكفاءة والجدارة أساسا في انتقاء هذه القيادات ، فوجود قيادات إدارية كفؤه تحمل هموم المواطنين بصدق وإخلاص، من شانه أن يبث الثقة في نفوس الإفراد في تعاطيه مع الأجهزة الحكومية.
4. الشفافية او صدق الخطاب : ان مطابقة أقوال الساسة لأفعالهم، من أهم الأسباب التي تولد الثقة بين المسؤول والمواطن، والانجازات الواضحة على أرض الواقع هي التي تحكم على صدق المسؤولين .
5. إعادة النظر بالسياسات الاقتصادية : ان اهتمام الحكومات بالفردية (كفكرة مثالية لحقيق حرية وكرامة الفرد) ،والتطرف باستخدامها وما نجم عنه من الاهتمام بالمصالح الفردية الضيقة ، وتزايد البطالة والفقرو تراجع اهتمام الإفراد بالشأن العام ، وهذا لا شك يؤدي إلى تهديد التضامن الاجتماعي ، لان اهتمام الناس اصبح منصباً على تأمين قوت يومهم ، و أضحت المشاركة السياسية ترفا ، مقتصرة على النخب و الأغنياء .كما ان ظهور الشركات العالمية العابرة للقارات و اعتمادها على المنافسة واقتصاد السوق، و اعتماد الحكومات الخصخصة كأسلوب اقتصادي في كثير من المرافق الحيوية الهامة ، أدى هذا إلى التساؤل حول مدى مقدرة الدولة على الوفاء بمسؤوليتها الاجتماعية والاقتصادية تجاه مواطنيها ؟؟ وهو عنصر أساسي في المواطنة .
6. وجود استقلال فعلي وحقيقي للسلطة القضائية: أن وجود سلطة قضائية مستقلة يعني وجود ضمانة قوية لسلامة تطبيق القانون في حيدة وموضوعية وفي مواجهة كل أطراف المنازعات وسواء كانت تلك المنازعات بين ألإفراد أنفسهم أو كانت بين الأفراد وبعض أجهزة الدولة ومؤسساتها، ومبدأ سيادة القانون يقتضي وجود سلطة قضائية مستقلة.
فماذا يعني ذلك ؟؟؟ إنه يعني بإيجاز شديد وجود مقومات ومرتكزات أساسية للقول بوجود سلطة قضائية مستقلة نذكر منها :
أ- أن القضاة هم وحدهم دون غيرهم الذين ‹‹ يستقلون ›› بتطبيق القانون على المنازعات والدعاوى بين الأفراد أو بين الأفراد وأجهزة السلطة وأنهم دون غيرهم الذين يقضون بتجريم أفعال معينة – وفقاً للقوانين الجزائية –ويحكمون بعقوبات معينة تطبيقا لتلك القوانين. ولا يجوز لجهة في الدولة أيا كانت أن تتداخل في أعمال القضاة أو أن تطلب تطبيقا معينا لنص معين أو أن تفرض حكما معينا في قضية معينة. وهذا لا يمنع إطلاقاً أن غالبية دول العالم – إن لم تكن كلها – يوجد لديها إلى جوار القضاء العادي قضاء استثنائي في قضايا معينة كالقضاء العسكري الذي يفصل في الجرائم العسكرية وما إلى ذلك ولكن هذا القضاء الاستثنائي يستمد ولايته من قوانين قائمة قبل ارتكاب الأفعال يعلم بها سلفاً المخاطبون بأحكام القانون أو يفترض فيهم العلم بها ، هذا القضاء الاستثنائي يأخذ معنى القضاء العادي من ناحية أنه وإن اختص بنوع معين من الدعاوى استثناء من أصل عام إلا أن وجوده نفسه مقرر في قوانين عادية معلومة للكافة ويجب على الكافة أن تسلك في حياتها مع مراعاة وجود تلك القوانين.
ب- أن ممارسة للحكومة للسلطة يجب أن تتم وفقا لأحكام القانون ، وهذا يؤدي بالضرورة إلى مسؤولية أجهزة السلطة العامة عن أفعالها وان لا تكون هذه الأفعال محصنة من المسؤولية .
ت- مما يؤكد استقلال القضاة ويجعلهم يؤدون أعمالهم على النحو المبتغي أن يكون تعيين القضاة ونقلهم وفقاً لإجراءات معينة يراعى فيها قدر من التشدد الواجب على تعيين القضاة. كذلك ومن ناحية أخرى أكثر أهمية فإن تأديب القضاة وعزلهم يجب أن تستقل به الجهة القضائية وحدها وأن يعطى القاضي أوسع الضمانات للدفاع عن نفسه. ومن المبادئ التي توشك أن تكون مستقرة في غالبية دساتير الدول الحديثة عدم قابلية القضاة للعزل إلا في أحوال محددة ووفقاً لإجراءات معينة يرسمها القانون بوضوح ومما يدعم استقلال القضاء من ناحية، ويكفل نوعا من الرقابة على أعماله من ناحية أخرى علنية جلساته ونشر أحكامه كمبدأ عام.
هذه هي القضايا الأساسية التي نرى أنها تكفل استقلال القضاة في الدولة القانونية وتجعل من القضاء حاميا حقيقيا للحقوق والحريات.
*أستاذ القانون الإداري والدستوري المشارك
كلية الحقوق / الجامعة الأردنية
الراي