مايطلبه الْمُصَلُّوُنْ .. بقلم : الشيخ سعدالدين زيدان
mohammad
27-02-2008 02:00 AM
أوردت صحيفة عمون الالكترونية خبرا من مدينة ( معان ) في جنوب الأردن أن واحداً من الذين حضروا صلاة وخطبة الجمعة 22-2-2008 قام على شتم وإهانة خطيب الجمعة لأن الخطبة ( لم تعجبه ) ولولا أن تدخل بعض الوجهاء في الأمر من أجل إصلاح ذات البين لتطورت الأمور عشائريا لكن الله ( سلّم ) .
( انتهى الخبر !!)
**************
1- الغريب العجيب بأن الهجوم أو التهجم على خطيب الجمعة بات من البديهيات في كثير من المساجد .
لقد كانت عظة الجمعة يوم أن ساد الإسلام وعزَّ المسلمون تطهيراً للنفوس وتعميراً للصدور ، وكانت خطبة الجمعة صرخة مدوية مجلجلةٌ مزلزلة ، تصادف الآذان المفتوحة والقلوب المشروحة ، وكان المسلم يأتي إلى المسجد ليستمع الى العظة وقد أعدَّ نفسه لحسابٍ عسير عما سلف منه ولكي يتلقى أوامر جديدة توجه إليه ، فهو يسمع كلمات الخطيب إذ يسمع بجسدٍ راجفٍ وقلبٍ واجفٍ خائف خشية العتاب او العقاب ، وهو يسمع إذ يسمع بعزمٍ جديدٍ وحزمٍ جليد ، رغبةً منه في مواصلة الاستجابة والتنفيذ ،
ومن هنا كان قليل الكلام في ذاك الزمن يجدي نفعاً ، ويسير العظة يفيد ، فكثرت الأعمال يومئذٍ وقلّت الأقوال ،.
أما اليوم فقد صارت العظات لوناً من ألوان التسلية ونوعاً من تبديد الفراغ ، يتباهى بها الناطق ويتنادر بها السامع ، فترى بعض المصلين في المسجد يعجبون بفصاحة هذا الخطيب ، وآخرين ينتقدون !!! وترى فئةً ترضى عن الخطيب وعن خطبة الجمعة لأنها وافقت هواهم !!! وآخرين يلعنون ويشتمون الخطيب والخطبة لأنها خالفت مشتهاهم !!!
وهكذا ابتعد عن جادة الصواب كلٌ من القائل والسامع ، كلٌ من الخطيب ومن يستمع اليه ، إلا قليلاً ممن رحم الله !!!
وما أشبه الأمر هنا بما صارت اليه تلاوة القرآن الكريم في مجالسنا ومحافلنا من ضلالٍ وانحراف !! فلقد كان القرآن يُتلى على أهليه بالأمس البعيد فتراهم وكأن على رؤوسهم الطير من هيبة القرآن وجلاله ، وكنت تراهم مستغرقين في التدبّر والتفكر وتراهم خاشعين لذكر الله وما نزل من الحق (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ(16) الحديد ؟؟)
فأثمر القرآنُ ثماره وأينعت قلوبهم بذكر الله عز وجل ، وطبَّقوا آياته فيما بينهم فسعدوا بها وفازوا بالدارين ...
أما اليوم .. وأقول ثانية وثالثة ( أما اليوم ) فانظروا كيف يُتلى القرآن الكريم وكيف يُسْمعْ ؟؟
إنه يُتلى بمطٍ وتطريب !!! وتلحينٍ وترجيع ، وغناءٍ كغناء الربان أو النائحات في المآتم ، وخلطٍ منكرٍ بين القراءات واللهجات ، وتقطيع لحروف الكلمات الى الدرجة التي تختفي فيها معاني الآيات ويزول جلال العبارات ،،، والأدهى والأمرّ من ذلك أن القرآن في هذا الزمن لايُسمع بخشوعٍ ووقار لكي يزداد السامع إيماناً ، بل بصراخٍ كصراخ السُكارى وصيحات استحسان للتغني واستعادة لنغمة التلاوة كصيحات المشعوذين والمخبولين ، وضجيج بالثناء على القارئ لا على القرآن !!!! وليت هذا كله يصحبه اتعاظ او إدراك للمعنى او استشعار لجلال المقام !! إذن لخف وهان المصاب والبلاء ، ولكن الجهل بالمتلو هو السائد والإعجاب بصوت القارئ هوالزائد ، والقارئ أشبه بالتاجر يحاول كلما سمع إطراءً أن يزداد من حوله الأنصار والمعجبين !!!! وإذا مافتحت المذياع في إحدى المناسبات الدينية التي يُتلى فيها القرآن يخيل إليك من التغني والتصايح والسخف في التعليق على طريقة المقرئ وفتنة صوته مايشعرك بأنك تستمع الى ضجيج في سوقٍ من الأسواق وليس إلى كلام ربِّ العالمين عز وجل في علاه ؟؟؟؟
2-وكذلك جنت غفلتنا وإعراضنا عن ربنا وديننا على صلاة الجمعة وخطبتها ، فصارت أشبه بحفلة أسبوعية تقليديه ، يحضرها البعض لحبِّ الاستطلاع والمقارنة بين الخُطباء والحكم لأحدهم بالسبق والتفوق والتميز على غيره !!! والبعض الآخر يحضرها للتجسس والتلصص وتسقّط الهفوات والزلات أو غير ذلك من خسيس النوايا وتوافه الأهداف التي لاتليق بالرجال المؤمنين الصالحين !!
فأين الذي كان ليوم الجمعة في تاريخ الإسلام من عظمةٍ وجلال؟؟؟ وأين الذي كان لصوت الداعية من انطلاقٍ وحريةٍ بلا رهبةٍ ولا رغبة ؟؟؟ وأين الذي كان من الخير الذي يعود على المسلمين من موعظة الخطيب ، حين كان الخطيب في خطبته ينتقد العيوب ويطهر القلوب ويمحو الذنوب ويجعل الناس الذين يستمعون إليه يستعدون للقاء علام الغيوب !!!؟؟؟
وأين ذهب أولئك الذين كانوا يسعون الى بيوت الله يوم الجمعة خفافاً مبكرين وقد تركوا بيعهم ولهوهم وتزينوا في مظهرهم ومحضرهم وساروا الى بيوت الله بوقارٍ وأدب جمٍ يذكرون الله ويسبحونه ويحمدونه ؟؟؟ لكأنهم والله قد رحلوا الى غير مآب !!!
3- والعجيب الغريب المُبكي في أمر اكثر الناس في هذا الزمن انهم لايعجبهم العجب ، ولا يرضون عن الواعظ مهما بذل .. وتراهم يسلقونه على الدوام بألسنةٍ حداد ، وقد يلقونه مرائين أو مخادعين بكلمات المديح والإطراء فإذا انصرفوا عنه او انصرف عنهم صرف الشيطان ألسنتهم القذرة الى الفحش والافتراء !!!
إذا غضب الواعظ للحرمات المنتهكة والحقوق المغتصبة والمنكرات الشائعة قالــــوا : ( ياله من متطرفٍ لايحسن التصرف ويستحق العقاب والجزاء ) وإذا لان لهم في النصيحة ورقَّ لهم في القول وتلطّف في إرشاد الآثمين قالوا : ( ياله من جبانٍ خوّار به هوان يخاف من اهل البطش والسلطان ؟؟؟!!)
البعض منهم يريده منافقاً مداحاً يكيل المديح شمالا ويميناً فإن فعل ذلك ناتل استحسانهم وتهانيهم ، وعلى الطرف الآخر من يريده شتّاماً لعّاناً سباباً ، فإن فعل ذلك نال استحسانهم ورضاهم وحظي بثقتهم ، وبين هؤلاء وأولئك لايبقى للدين من هيبة ولا إجلال ....!!!!
وإن دعاهم الواعظُ إلى أن يأخذوا نصيبهم من الدنيا ويتمتعوا من طيبات هذه الحياة ولا يحرموا أنفسهم من مناعمها مادامت لم تُحرّم عملا بقول الله عز وجل ( ولا تنسى نصيبك من الدنيا ) قالوا : ياله من خطيبٍ متساهل يريد أن يصرف الناس عن العبادة الى متاع الحياة الدنيا !!! وإن لامهم الخطيب على تبرج نسائهم وفسق شبابهم قالوا ( هذا خطيب رجعي متأخرٌ جامدٌ لايساير ركب الحياة وتطورها ؟؟)
فماذا تريدون من خطيب الجمعة ؟؟؟ ماذا تريدون من الواعظ ياأنتم !!!!؟؟؟
أتريدون أن يكون عصاً بين أيديكم تلعبون بها كما تشاءون ؟؟؟ فإن نفرت منكم هذه العصا أو تأبت عليكم كسرتموها وحطمتموها ؟؟؟ أم تريدون من خطيب الجمعة أن يكون ( مُغّنِّياً) يغني لكم ماتشاؤون من الألحان ، فإن أعجبكم اللحن طربتم واستزدتموه وإن لم يعجبكم قلتم له ( إيتِ بلحنٍ غير هذا أو بدّله ؟؟؟؟؟)
أم تريدون خطيب الجمعة بوقاً يردد لكم كل أسبوع ماعرفتم وما عرفنا من نصوص دينية في الحيض والنُفاس أصبحت من طول تكرارها كأنها آثار ؟؟؟؟
كيف بالله عليكم ياأمة محمدٍ عليه الصلاة والسلام يستطيع أن يؤدي الخطيب الواعظ واجبه الديني وأنتم تريدون إخضاعه لأهوائكم ورغباتكم ، مع أن الواجب يقضي خضوعكم أنتم لصوته القوي الصريح الذي لايهاب ، لأنه لايأتي بالكلام من بيت ابيه وأمه ، ولكنه يذكركم بكلمات خالق السموات والأرض (إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ(88) هود ::: إن خطبة الجمعة هي العظة الأسبوعية العامة التي يتلاقى على سماعها أبناء الإسلام ، وإن شئت فقل معي بأن خطبة الجمعة هي الصحيفة الأسبوعية الإسلامية الإيمانية الناطقة التي يستمع فيها المسلمون الى كلمة الله عز وجل فيما يعنيهم من شؤون دينهم ودنياهم ، وهذه الخطبة تأتي كما اخبر نبينا عليه الصلاة والسلام في يوم الجمعة ( خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة ) .
ومن العجيب الغريب أن اكثر الذين يتحدثون في هذا الموضوع ناقدين او ضائقين ليسوا ممن يحرصون على الصلوات الخمس التي فرضها الله عليهم ، وليسوا ممن يعنيهم أمر هذا الدين او يشغل بالهم صلاح المسلمين ، وهذا يدعونا الى سوء الظن بهذه الحملة المسعورة ؟
وأخيراً فإن الاعتداء بالشتم والتحقير على خطيب المسجد أو على إمامه أو على خادمه إنما هو اعتداء على وزارة الأوقاف بأسرها، بل إنه اعتداء على معالي وزير الأوقاف وهو الحريص كل الحرص على إدارة دفةِ سفينة المساجد في أنحاء المملكة الأردنية الهاشمية ، وهو الذي لايتورع عن محاسبة المقصرين في وزارته مهما كان مستواهم ، وإن كان للمواطن ثمة شكوى فقد كان بوسعه أن يتقدم الى الوزارة بشكواه لا أن يهين خطيب الجمعة أمام الملأ ..... وإن لم يُحاسب أمثال هؤلاء فسوف نعتذر للراحلة المذيعة كوثر النشاشيبي صاحبة برنامج _ مايطلبه المستمعون ) لكي نعلن عن برنامجٍ جديد للخطباء في المساجد بعنوان ( مايطلبه المصلُّون ) .
Abumousa.z@gmail.com
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نقلا عن موقع الشيخ ابو موسى