facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة





"إنت من وين؟"


د. صبري الربيحات
09-04-2017 01:58 AM

على معظم أعمدة الكهرباء وشواخص المرور في عمان وخارجها إعلانات ترشدك للصالات ومقرات الروابط العائلية والصواوين التي تستخدمها العشائر لتقبل العزاء بفقدان أحد أفرادها. في الفنادق وصالات الأفراح، وحتى على الطرقات وفي الساحات العامة، تجد أوراقا بيضاء وملونة ألصقت على أعمدة الإشارات الضوئية رُسمت أسهم عليها تقودك إلى مكان احتفال العشائر بخطوبة أو زواج أبنائها أو بناتها.

هذه المناسبات وجاهات الاعتذار وتطييب الخواطر وطلب الصفح وفورة الدم والتفتيش والإمهال والإقبال ومهرجانات الصلح تشير إلى أن العشيرة نجحت في إدارة المآتم وبيوت العزاء والأزمات وفض النزاعات بكفاءة عالية وتشرف على الأفراح بكفاءة أقل. السؤال الذي يتجنب الناس طرحه يتعلق بـ: لماذا يجري إحياء وإنعاش أدوار العشيرة وتوسيع دائرة نفوذها بالرغم من مرور عشرة عقود على نشوء الدولة؟

ما إن تلتقي بشخص للمرة الأولى حتى يوجه إليك، أو أنت تطرح عليه السؤال الأساسي الذي قد تحدد إجابته نوعية العلاقة بينكما "حضرتك من وين". ومع أن الجميع في الأردن أبناء عشائر، ولا أظن أن أحدا يعرف بالضبط عدد العشائر الموجودة في الأردن، لكنها بالتأكيد تتجاوز ألفي عشيرة إذا ما اعتبرنا أن متوسط عدد العشيرة الصغيرة ألف نسمة، في حين يصل بعضها إلى بضعة آلاف.

في فترات تاريخية سابقة على الاستقرار ونشوء المدن والمراكز الحضرية، كانت العشائر والحمائل والقبائل بنىً اجتماعية أساسية تكسب أعضاءها الهوية وتتولى تدريبهم وحمايتهم ورعايتهم. كانت العشيرة المكونة من الأخوة والأبناء والآباء والأجداد وأبناء العمومة حتى الجد العاشر مكونا من مكونات القبيلة التي ترتبط عشائرها بروابط قرابية وتشترك في حمى أو ديرة قد تتسع أو تضيق تبعا لقوة ونفوذ وحجم ثروة وملكيات القبيلة من القطعان ومستوى خصوبة وغنى الديرة وقدرتها على توفير شروط العيش والإدامة للقبيلة وقطعانها ومواشيها.

الشيخ في القبيلة العربية فارس جواد يتحلى بالشجاعة والحكمة والحس العميق بالمسؤولية يلتزم بالأعراف ويحافظ على التقاليد، كما ينبذ الظلم، ويترفع عن الصغائر. التراث والتاريخ الشفوي الأردني غني بالقصص والروايات والشعر الذي يلقي الضوء على سيرة العشرات من الرجال الذين عرفوا بعدلهم وشجاعتهم وحكمتهم وكرمهم وصفحهم وتسامحهم.

خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وقبل أن تتسع الفجوة بين أغنياء وفقراء الأمة، استطاعت الدراما الأردنية أن تنشر الصورة الرومانسية الجميلة لحياة القبائل العربية وأدوار الشيوخ في إدارة شؤون العشائر وحل خلافاتها من خلال نظام عدالة شافية تعيد الاعتبار للمتضرر وتردع المعتدي وتعزز ثقة القبيلة بقدرة زعامتها على التصدي لجميع الانحرافات بحزم وتفهم ووضوح.

خلال العقود الثلاثة التي تلت الاستقلال، ومع التوسع في إنشاء المؤسسات وانتشار التعليم وإنشاء الجامعات وظهور قطاعي الصناعة والخدمات، فقدت القبائل والعشائر بعضا من وظائفها الاقتصادية والسياسية والأمنية لصالح الدولة ومؤسساتها الجديدة، وانخرط الآلاف من أبناء القبائل في القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والمدنية في مجتمع تسوده القوانين والأنظمة والإجراءات والتدابير التي توزع الأدوار وتراعي التخصص ويرتبط الجميع بالدولة من خلال نظام دقيق لتقسيم العمل مرتبط بمعايير دقيقة للتقدم والمكافأة والأجور.

نتيجة للبطء والمعوقات التي واجهت عمليات التغيير والتحول الديمقراطي ومجتمع الأحزاب والمنافسة البرامجية، عادت القبيلة لتنشط ككيان سياسي في مجتمع حداثي. في البادية؛ حافظت الدولة على البنى القبلية ككيانات سياسية من خلال التشريع، فحصرت حق الترشح والانتخاب لابناء القبائل البدوية في دوائر البدو، في حين سمح التشريع لغيرهم بالترشح والانتخاب في أي دائرة يختار بعد أن يسجل فيها.

الكثير من العشائر الاردنية عملت على ترميم هياكلها، وأوجدت فضاءات خاصة للتعبير عن هويتها، وعملت على تشجيع أعضائها على تحييد خياراتهم الشخصية لحساب الخيار الجمعي للعشيرة، واستشرت روح المحاصصة والاستحقاق لتصبح مظهرا أساسيا من مظاهر الحياة السياسية، ومحددا من محددات علاقة الفرد مع الدولة وجميع مؤسساتها الأمنية والسياسية والخدمية.

حالة استقواء البنى التقليدية على التشريعات والأنظمة الحداثية وتطويعها عملية تجري إدانتها من قبل البعض، لكنها تتكرر وتحدث يوميا بتواطؤ واتفاق العديد من القوى السياسية والاجتماعية التي تستخدم آليات الواسطة والمحسوبية وتبادل المنفعة وغيرها من الحجج والأساليب.

على المجتمع والقائمين على هندسة قيمه وتشريعاته وتنشئة أبنائه التفكير جديا بأن قضية المواطنة وسيادة القانون لا تتحقق في أي مجتمع ما لم يتساوَ الجميع في الحقوق والواجبات، ويختبر الجميع صحة المناداة بتكافؤ الفرص والتأكيد على عدم قبول أن يعلو أي ولاء على الولاء للدولة وقوانينها ومؤسساتها.

الغد




  • 1 أ.د. محمد نور الحمد 09-04-2017 | 12:58 PM

    للاسف الشديد فان "من وين انت " حاضرة وبقوة لا توصف حتى في العمل الاكاديمي، حيث اصبحت الواسطة والشليلة والمناطقية" من وين انت"هي معيار الكفاءة في تولي المواقع الادارية في الجامعات الحكومية، ومن السخرية ان يصبح هؤلاء الفاشلين منظرين اكاديمين ، يقودون مؤسساتهم من فشل لاخر ويتنقلون من موقع لاخر.

  • 2 ابو بشار 10-04-2017 | 11:44 AM

    بوركت يا دكتور على هذه المقالة الرائعة الامل كل الامل ان يصل هذا النداء للعقول والقلوب وان نعظم قيم المواطنة في نفوسنا وسلوكنا .

  • 3 السفير الدكتور موفق العجلوني 13-04-2017 | 07:01 AM

    بوركت معالي الدكتور نعم :على المجتمع والقائمين على هندسة قيمه وتشريعاته وتنشئة أبنائه التفكير جديا بأن قضية المواطنة وسيادة القانون لا تتحقق في أي مجتمع ما لم يتساوَ الجميع في الحقوق والواجبات، ويختبر الجميع صحة المناداة بتكافؤ الفرص والتأكيد على عدم قبول أن يعلو أي ولاء على الولاء للدولة وقوانينها ومؤسساتها .

  • 4 مواطن 13-04-2017 | 01:21 PM

    صح لسانك يا دكتور وكثر الله من امثالك

  • 5 احمد علي الرضواني 15-04-2017 | 09:10 AM

    كلام صحيح مائة بالمائة والله غالب زي ما يقولوا في الدول العربية المغاربية


تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :