facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




"ضانا" مسار خشم اسماعيل والخوف الكبير من التعدين


عبدالرحيم العرجان
21-08-2021 11:28 AM

ضانا ومسارات في أرض أم الممالك العربية "أدوم" بدربِ ندرة من سار عليه إلا من تشبث بالمكان، ومن عشق الأرض والطبيعة والبحث في مكنونات الوطن، والغوص في أسراره، وأتى لسحره عبر الحدود بعد تقريرٍ إعلاميّ وإشادة عالمية.

خشم اسماعيل جبل فوق جبال الجانب الشرقي المشرف على مهد النحاس، وادي فينان المحمي بيئياً من الجمعية الملكية لحماية الطبيعة، لا يقصده إلا رعاة الماشية وندرة من عشاق المسير والترحال كونه مسار غير معروف، مع أن مطله من أجمل المواقع المشرفة على وادي عربة للشوبك وسلسلة جبال البتراء ويستحق المسير وقطع المسافة للظفر بهذا المشهد المفتوح اللامتناهي، وعبر النَظَر للأفق، تعطيك الجبال دائماً مساحة أكبر من الجهد الواجب للوصول إليها وهو ما يدفع لمغامرة أكبر للسير في أغوار، قد توارثت تاريخياً أو هُجرت بعد عزٍ ورخاء لتعود لعذريتها الأولى ناقلة صورتها لمن ينظر خلف شاشة عبر الحدود.

كانت البداية من أمام مركز شباب ضانا بمنطقة البره غربي القادسية أسفل الجبل الذي لنا فيه ذكريات العمل والبناء بمعسكرات الحسين، والعمل التطوعيّ إبان الدراسة وما بعدها ضمن نشاطات "ملتقى شباب الأردن" فلنا هناك أشجار زرعناها وأسوار شاركنا ببنائها بإرشاد قادة عززوا فينا الانتماء والعزيمة التي جُبلنا عليها، وكذلك ممن عمل على جلب التكنولوجيا والإنترنت لتأسيس أول مراكز المعرفة لخدمة المجتمع قبل عشرين عامًا بدعمٍ من نادي شباب بترا في عمّان، فعلاقتنا وطيدة مع الأهالي كأننا أبناء المكان نحفظه عن ظهر قلب ولسنا بغرباء عنه.

كان مسيرنا على دروب الرعاة، واضحة المعالم عبر صخورٍ بيضاء كالقباب ترك فيها أجدادنا الأدومين كوات من جرون مخروطية لطحن الحبوب، وأخرى واسعة لتجميع المياه لغاية سقاية الماشية والصيد وقنوات وآبار تجميعية، وأسوار وسلاسل استنادية لمساحاتهم الزراعية وجدران لمستوطناتهم البشرية وبعض الكهوف الي تكون مشذبة المداخل ومنافذ الهواء والنور، ولشدة تعلقهم بالأرض ولعطائها؛ عبدوا آلهة الخصب إبان الوثنية، ولليوم ما زالت تجود بما يُرزع من خيرات المحاصيل وما تنبته الطبيعة من نباتات برية أغلبها عُرف بالطب الشعبي أو صُنف ضمن قوائم الطب البديل وأشجار تطرقنا بذكرها في مقالاتنا السابقة.

أخذنا الدرب الى المطل الأول، وهو مشرف على النواطف لنشارك الراعي استراحته تحت شجرة بطم، وقد أصّر أن يُكرمنا من حليب ماشيته بعد غليه على نار الحطب، وحديثٍ لا يُمل عن جماليات المنطقة، وكيف يدوم الثلج بعد تساقطه لارتفاع المكان، وعن تاريخ البلد وأنسابها ومواسم النباتات وكيف تميز الضار من النافع، والأثر القاسي الذي خلفه غبار ومقلع مصنع الإسمنت على صحة الناس والبيادر، وخشيتهم مما يُتناقل من أنباء حول إقامة مصنع للنحاس وأثره البيئيّ الكبير على البلدة والمحمية المتربعة كالجوهرة شمالي المثلث السياحي الذهبي، فقد حازت على أعلى تقيمات السياحة البيئية في العالم وآخرها عندما تم اختيار ارض المحمية بمجمل مكوناتها من إحدى أعظم مائة وجهة استثنائية حسب مجلة تايم العالمية المعروفة بنزاهة تقيماتها الموضوعية المبنية على دراسة وتصنيف ناشيونال جيوغرافي بأن الدرب الواصل من البلدة القديمة لغاية البتراء يُعد واحد من أجمل خمسة مسارات مشي وترحال في آسيا والعالم وهذا الأمر يستوجب منا المحافظة عليه وحمايته، وعن تسمية الجبل بذلك الاسم أخبرنا بلسان عامية المنطقة أن الجبل الوحيد أو المتربع فوق سلسلة من الجبال يسمى بالخَشَم، فخير المعلومات ما عُرف من أهلها.

شكرنا مضيفنا وعدنا لمسارنا ونحن نفكر بمدى خوفه من التعدي على المنطقة وجفاف المراعي وحرقها بما سوف تقذفه مداخن مصنع من غازات وأبخرة وغبار آلياته العملاقة، وكيف سيكون المشهد وصحة المجتمع بعد عشرين عام لموقع محمي من اليونسكو كأحد مواقع الإرث الإنساني ، وفيه من النباتات ما لم تسجل في مواقع غيره ومقصد للطيور المهاجرة في طريقها عبر قارات العالم القديم، والآثار التاريخية بموقع وادي خالد و خربة النحاس ومناجمها العائدة لعدة عصور وحضارات وأراضي المزارعين عند مصب وادي غوير "النخيل" الأجمل في الشوبك ونحن نتساءل هل سيبقى لنا من المكان شيء سوى الذكرى والصور؟

تنفسنا الصعداء بحرقة وأخذنا الطريق بشكل مستقيم نحو مقصدنا للغرب لنصل لشفا جنوبي تشكلت فيه أطرافه جبال كرزمة مصفوفة من الأعمدة تأوي بين شقوقها ما يندر رؤيته من البدن والجوارح بمنظر أحمر مهيب وتراها مرةً أخرى مجسمات لشخوص أو محاربين، ثم تسمع أصوات الطيور وتردد صداها، وترى أيضاً تلال الأفق والحد الفاصل بين الطفيلة والشوبك وتلاله الرملية وشعابه التي تجمع مياه الأمطار لتصب بوادي غوير المسمى حديثاً بوادي النخيل متسائلين هل ستبقى ينابيعه الصيفية أم ستغور نتيجة المصنع الموعود؟ وعلى الشفا أُقيم مشروع حصاد الطاقة المتولدة بفعل الرياح والهواء النقي، ويعود التساؤل هل ستستمر بالدوران مراوحها البيضاء الحساسة بعد إنشاءه؟ هل ستتعطل بفعل قتيم غباره؟ لنصل بعد هذا التساؤل إلى مبتغانا التلة المقابلة لخشم اسماعيل ويفصلنا عنه وادٍ سحيق ومنظر يأسر الألباب نحو الافق بتدرجات لونية مابين حمرة الأرض وصفرتها وجبال سمراء بما احتوته من انحناءات تخللها عروق فيروزية تحتوي الخام الثمين وظفته سيدات البلدة وبناتها في صناعة الحلي التقليدية.

وبعد هذا المشهد لعاشق متأمل عدنا لمنطقة البرة والنواطف مرورًا بالمعسكر الذي خيمنا فيه بفصل الربيع سالكين مسار شق الريش الممهد وعلاماته المتعارف عليها مودعين من عليه غروب الشمس وخيوطها بحوار دراميّ بين الأرض والسماء، مختتمين بذلك عشرين كيلوا متر بمسار استجمامي متوسط الصعوبة، والمبيت ببيت ضيافة محليّ أقيم على أعلى جبال المنطقة مشرفًا على كل أركان الوادي ممتلىء السحاب صباحًا وكأن الغيم يبات فيه.

وبعد عشائنا الخفيف بدأت سهرتنا التي كانت على موعد الذروة لتساقط زخات شهب بيرسيد الناتجة عن غبار مذنب سويفت تتل التي بدأت قبل منتصف الليل بساعتين واستمر وابلها حتى ساعات الفجر الأولى، مُآثرين هذا المشهد على النوم بعيدًا عن أضواء المدينة وضوضائها والذي لا يحتاج إلى أجهزة رصد لمشاهدته ، مع ما لذ وطاب من تين القرية وصبرها.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :