facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




كيف تبني الدول سمعتها؟


د. صالح سليم الحموري
11-02-2025 11:29 PM

السمعة ليست مجرد صورة ذهنية تُرسم في أذهان الآخرين، بل هي "هوية تتشكّل عبر الزمن"، تُبنى على سياسات مدروسة، ومواقف تاريخية، وإنجازات ملموسة. وكما أن الأفراد يسعون للحفاظ على سمعتهم، فإن الدول أيضًا تحتاج إلى "الاستثمار في صورتها أمام العالم"، لأنها تؤثر على مكانتها السياسية، وقدرتها الاقتصادية، ومدى جاذبيتها للاستثمارات والسياحة، وحتى تأثيرها في صناعة القرار العالمي.

لكن كيف تُبنى سمعة الدول؟ هل هي مجرد حظ عشوائي تمنحه الظروف لبعض البلدان وتحجبه عن غيرها؟ أم أنها عملية واعية تحتاج إلى "تخطيط ورؤية واستثمار ذكي في عناصر القوة الناعمة؟"

لا يمكن لأي دولة أن تكتسب سمعة إيجابية إذا كانت إدارتها تعاني من الفوضى أو الفساد أو ضعف الأداء. الحوكمة الرشيدة ليست مجرد شعارات، بل هي العمود الفقري لأي دولة تطمح إلى أن تكون نموذجًا يُحتذى به. الدول التي تتبنى الشفافية، وتطبق القانون بعدالة، وتحقق العدالة الاجتماعية، هي الدول التي تُحترم عالميًا، وتتحول إلى وجهة مفضلة للمستثمرين والمواهب العالمية.

"الاستقرار ليس مجرد غياب للأزمات، بل هو حالة من الثقة" تصنعها الحكومات القادرة على التعامل مع المتغيرات بحكمة. الدول المستقرة تُشبه السفن الراسية في الموانئ، لا تهتز أمام العواصف، بل تبقى مكانًا آمنًا لمن يبحث عن بيئة موثوقة للاستثمار والعمل والحياة.

لا غرابة أن الدول التي تتمتع باستقرار سياسي وأمني دائم، تُصبح محورًا للتعاون الدولي، بينما تلك التي تغرق في الأزمات الداخلية تفقد مصداقيتها، حتى لو امتلكت ثروات ضخمة،” السمعة ليست فقط عن الموارد، بل عن كيفية إدارتها.”

حين تُذكر دول مثل "ألمانيا، اليابان، أو سنغافورة"، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن ليس فقط حضارتها أو تاريخها، بل قوتها الاقتصادية التي جعلتها لاعبًا رئيسيًا على الساحة العالمية. الدول التي تحقق نجاحًا اقتصاديًا مستدامًا تفرض احترامها حتى على من يختلف معها سياسيًا، لأن "الاقتصاد هو لغة التأثير في عالم اليوم.”

لكن الاقتصاد القوي لا يعني فقط الناتج المحلي الإجمالي، بل يتعلق أيضًا "بالابتكار، وريادة الأعمال، وتقديم حلول جديدة للمشكلات العالمية “حين تقدم دولة نموذجًا ناجحًا في النمو الاقتصادي مع تحقيق العدالة الاجتماعية والاستدامة، فإنها لا تُحقق النجاح لنفسها فقط، بل تبني سمعة تجعلها "مصدر إلهام للآخرين.”

لا تُقاس سمعة الدول فقط بمؤشراتها الاقتصادية أو السياسية، بل أيضًا بعمق ثقافتها والقيم التي تروج لها. الدول التي تبني سمعتها على "قيم التسامح والانفتاح والإبداع" تُصبح أكثر جاذبية للعالم. إنها الدول التي تحتضن "المهرجانات الثقافية، وتحتفي بفنونها، وتنقل قصتها إلى الآخرين عبر السينما والأدب والموسيقى".

الثقافة ليست مجرد ترف، بل هي "أداة دبلوماسية ناعمة" تجعل الدول مؤثرة دون الحاجة إلى قوة السلاح أو فرض النفوذ بالقوة. وحين تستثمر الدول في ثقافتها، فهي لا تبني صورتها فحسب، بل تخلق "روابط إنسانية مع شعوب العالم، تجعلها محبوبة وموثوقة".

ما الذي يجعل بعض الدول تبدو متقدمة، حتى لو لم تكن صاحبة تاريخ طويل من الإنجازات؟ إنه الابتكار. الدول التي تستثمر في البحث العلمي، وتدعم رواد الأعمال، وتفتح أبوابها للعقول المبدعة، تصبح رائدة ليس فقط في حاضرها، بل في مستقبلها أيضًا.

حين يذكر الناس دولًا مثل "إستونيا أو فنلندا"، فإنهم لا يتحدثون عن تاريخها بقدر ما يتحدثون عن "قدرتها على مواكبة المستقبل “الابتكار هو "أقوى بطاقة تعريف" لأي دولة تريد أن تُعرَف بأنها متقدمة، وهو ما يجعلها تكسب احترام العالم، حتى لو كانت "صغيرة المساحة أو قليلة الموارد".

في عالم اليوم، لم تعد القوة العسكرية هي المعيار الوحيد لتأثير الدول، بل أصبحت "القوة الناعمة" هي الأداة الأكثر فاعلية في بناء السمعة. الدول التي تخصص ميزانيات لتعزيز قوتها الناعمة تحقق مكاسب طويلة الأمد، من خلال تحسين صورتها في الخارج، وبناء شراكات استراتيجية، وزيادة تأثيرها في صناعة القرار العالمي.

كما قال جوزيف ناي، صاحب مصطلح القوة الناعمة "القوة الناعمة هي القدرة على الجذب والإقناع دون إكراه، وهي أكثر فاعلية على المدى الطويل من القوة الصلبة."

هذه القوة لا تأتي من الفراغ، بل تُبنى على أسس راسخة من الاستثمار الذكي في التعليم، والثقافة، والفنون، والإعلام، والمساعدات الإنسانية، وحتى الرياضة. حين تُحوِّل دولة جامعاتها إلى مراكز أكاديمية مرموقة تستقطب العقول من مختلف أنحاء العالم، أو تُطلق مبادرات ثقافية تُعزِّز من حضورها الحضاري، أو تلعب دورًا فاعلًا في معالجة القضايا الإنسانية العالمية، فإنها ترسّخ سمعة تتجاوز حدودها الجغرافية، وتسبقها إلى كل مكان دون الحاجة إلى حملات دعائية مكلفة.

ولعل أحد أبرز الأمثلة على ذلك هو دولة الإمارات العربية المتحدة، التي أدركت مبكرًا أهمية القوة الناعمة، فأنشأت "مجلس القوة الناعمة" ووضعت استراتيجية متكاملة لتعزيز صورتها العالمية، عبر "الدبلوماسية الثقافية والاقتصادية، والتأثير الإيجابي في المجالات الإنسانية والعلمية"، هذا النهج جعلها نموذجًا يُحتذى به في كيفية "توظيف القوة الناعمة" كأداة فعالة لترسيخ مكانتها الدولية وتعزيز حضورها في المشهد العالمي.

في عصر السرعة والمعلومات، "لا يكفي أن تكون دولة ناجحة، بل يجب أن تُعرف بأنها كذلك" الإعلام هو المرآة التي تعكس صورة الدول، ومن خلاله يمكن "إما تعزيز السمعة أو تشويهها “الدول التي تستثمر في إعلامها وتضع استراتيجية تواصلية فعالة تستطيع التحكم في سرديتها الخاصة، بينما تلك التي تهمل هذا الجانب تجد نفسها ضحية للصور النمطية والأخبار المضللة.

اليوم، لم يعد الإعلام مقتصرًا على الصحف والتلفزيون، بل أصبح يشمل "الإعلام الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي"، وهي أدوات يمكن استخدامها بذكاء لتعزيز صورة الدولة أو تصحيح المفاهيم المغلوطة عنها.

السمعة ليست حملة إعلانية قصيرة المدى، بل هي "نتاج سنوات من العمل الجاد، والاستثمار في بناء الدولة من الداخل، وتعزيز صورتها من الخارج"، الدول التي تُدرك أهمية سمعتها لا تترك الأمر للصدفة، بل تعمل على "جميع المستويات" لترسيخ مكانتها في الوعي العالمي.

وفي النهاية، فإن الدول مثل الأفراد، "سمعتها هي انعكاس لأفعالها، وإنجازاتها، وطريقة تعاملها مع التحديات" الدول العظيمة لا تكتفي بأن تكون قوية، بل تسعى لأن تكون "ملهمة"، لأن السمعة ليست مجرد صورة، بل "إرث يُبنى ويستمر عبر الأجيال.”





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :