facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الحوار الأممي بين أزمة القيم وهيمنة المصالح


أ.د سلطان المعاني
24-02-2025 10:38 AM

يواجه العالم اليوم أزمة حوار حضاري حقيقية، حيث أضحت النقاشات الأممية خالية من الروح العميقة التي لطالما كانت الأساس في بناء التفاهم بين الشعوب والحضارات. فلم يعد الحوار القائم بين الأمم تجليًا لقيم إنسانية عليا أو سعيًا إلى تحقيق الانسجام بين الرؤى المختلفة، فهو على العكس من ذلك، قد تحول إلى ميدان للمصالح السياسية والاقتصادية التي طغت على مضامينه، فأفرغته من بعده الإنساني والقيمي، وحوّلته إلى أداة تفاوض مصلحي أكثر منه وسيلة للتفاعل الإنساني العميق. إن نشهده اليوم لا يشكل حواراً حقيقياً يهدف إلى تحقيق التفاهم المشترك، وقد غدا تبادلاً براغماتياً للمواقف يخدم مصالح القوى الكبرى، دون أن يكون له أي امتداد حقيقي في وجدان الشعوب.

إنّ الحوار الحضاري في جوهره تفاعل عميق يهدف إلى تحقيق فهم متبادل، يقوم على الاحترام المتبادل والاعتراف بالآخر بوصفه شريكًا أساسيًا في صناعة المستقبل. إن الحوار الحقيقي لا يستقيم دون امتلاك مرجعيات فكرية وروحية تؤطره، وتوجهه نحو قيم عليا مثل العدالة والحق والتسامح. وإن استحضار البعد الإنساني في أي حوار بين الحضارات ضرورة قصوى، إذ ينبغي أن يكون هذا الحوار لقاءً بين العقول والقلوب، قوامه التفاعل الفكري العميق، والتبادل الثقافي الصادق، والتعاون المبني على أسس راسخة. غير أن الواقع الحالي يشير إلى أن هذه المرتكزات الأساسية باتت تواجه تحديات جسيمة، الأمر الذي أدى إلى إفراغ الحوار الأممي من مضمونه الروحي والفكري، وتحويله إلى مجرد إجراء شكلي تحكمه المصالح الضيقة.

إن الأسباب التي أدت إلى افتقار الحوار الأممي إلى الروح متعددة، ولعل أبرزها هيمنة المصالح السياسية والاقتصادية على مساراته. ولم يعد الحوار بين الدول والأمم موجهًا بقيم البحث عن الحقيقة أو تعزيز الفهم المتبادل، وأصبح أداة في يد القوى الكبرى لتحقيق أهدافها الاستراتيجية. وباتت المفاوضات واللقاءات الدولية منصات للضغط والمساومة أكثر منها فضاءات للحوار العادل، حيث يُستخدم الخطاب الدبلوماسي كوسيلة لتحقيق المكاسب السياسية، وليس أداةً لترسيخ مبادئ العدل والتفاهم. كما أن تراجع المرجعيات الفلسفية والأخلاقية التي كانت تؤطر الحوار بين الحضارات قد ساهم بشكل مباشر في هذه الأزمة. لقد كان للفكر الفلسفي والقيمي دور محوري في ضبط مسارات التفاعل بين الثقافات المختلفة، فكان المفكرون والعلماء والفلاسفة يقودون هذه الحوارات، ويؤسسون لها على أسس أخلاقية متينة. أما اليوم، فقد أُبعد هؤلاء عن المشهد لصالح رجال السياسة والاقتصاد، مما أدى إلى اختزال الحوار الأممي في أبعاد مصلحية ضيقة، وإقصاء القيم الإنسانية الكبرى التي يمكن أن تؤسس لتفاهم حقيقي.

يضاف إلى ذلك أثر العولمة التي، رغم ما تتيحه من انفتاح واتصال واسع بين الأمم، قد ساهمت في خلق فضاء عالمي موحد ظاهريًا، لكنه أدى في جوهره إلى تآكل الهويات الثقافية التقليدية. إن الانفتاح غير المنظم بين الحضارات، وذوبان الفروق الثقافية في نموذج اقتصادي مهيمن، جعلا من الصعب الحفاظ على أسس حوار متوازن، حيث تحولت العديد من الثقافات إلى مجرد ظلال باهتة داخل منظومة العولمة، تفقد تدريجيًا قدرتها على التأثير في المشهد العالمي. ومما زاد الأمر تعقيدًا هو غياب القيادات الفكرية والروحية التي لطالما كانت تشكل الضمير الحي للحوار الحضاري. ففي الماضي، شهد العالم شخصيات كبرى، مثل غاندي وروجيه غارودي ومالك بن نبي وتولستوي، قادت الحوار بين الثقافات وساهمت في بناء جسور الفهم العميق بين الأمم. أما اليوم، فقد تراجع هذا الدور لصالح القادة السياسيين والخبراء التقنيين الذين يفتقرون في كثير من الأحيان إلى البعد الروحي والفكري، مما أدى إلى إفراغ الحوار الأممي من قيمه الإنسانية، وتحويله إلى مجرد أداة دبلوماسية تخدم المصالح لا المبادئ.

إن استعادة الروح في الحوار الأممي تستدعي العودة إلى الفلسفات الإنسانية الكبرى التي أسست لتفاعل عادل بين الحضارات. فبدلًا من أن يبقى الحوار خاضعًا لمنطق السياسة والمصالح، ينبغي أن يكون مؤطرًا بالقيم المشتركة التي تجمع البشر، مثل الحق والعدالة والتسامح. إن الفلسفات الكبرى، سواء الفكر الإسلامي الأصيل أو الفلسفة الإنسانية الغربية، تحمل في جوهرها مقومات التفاعل الإنساني العادل، ويمكنها أن تشكل أساسًا لاستعادة حوار أممي أكثر إنصافًا. كما أن إعادة الاعتبار لدور المثقفين والفلاسفة أمر لا بد منه، فلا يمكن ترك الحوار الإنساني في يد رجال السياسة وحدهم، بل يجب أن يكون للفكر دور في توجيه المسارات الأممية نحو مزيد من العمق والإنسانية. ينبغي على المؤسسات الدولية أن تمنح المساحة لأصوات المفكرين وأصحاب الرؤى الحضارية العميقة، وألا يبقى الحوار مقتصرًا على الدوائر السياسية التي غالبًا ما تحكمها المصالح الآنية.

ويبقى الإنسان في جوهرة كائنًا قادرًا على الحوار، مدفوعًا بفطرته نحو الفهم المتبادل والتواصل العميق مع الآخرين. لكن هذا الميل الفطري إلى الحوار والتفاعل الحضاري يقف اليوم أمام تحديات متعددة، أبرزها التجاذبات الهيمنة التي تتحكم في طبيعة العلاقات الدولية. فالقوى الكبرى لم تعد ترى في الحوار وسيلة للتكامل والتعايش، بل باتت تتعامل معه كأداة لإعادة إنتاج الهيمنة بطرق أكثر نعومة، ولكنها ليست أقل تأثيرًا أو قسوة. إن هذه السيطرة المفروضة تجعل من الحوار أحيانًا عملية شكلية تخدم مصالح محددة، بدلًا من أن تكون فضاءً حرًا يسمح بتلاقح الأفكار وتبادل القيم بروح منفتحة تسعى إلى العدل والإنصاف. ولذا، يبقى السؤال الأهم: هل يستطيع الإنسان، رغم كل هذه العوائق، أن يستعيد روح الحوار الحضاري؟ أم أن طبيعة النظام العالمي، الذي تحكمه المصالح السياسية والاقتصادية، ستظل عائقًا دائمًا أمام تحقيق حوار إنساني حقيقي؟
إن الحوار وسيلة تواصل بين الأفراد أو الحضارات، وهو انعكاس لحاجة إنسانية جوهرية إلى التفاهم والتكامل. فالحضارات لم تزدهر يومًا في عزلة، بل كانت دائمًا نتاجًا لتفاعل طويل بين الثقافات المختلفة، حيث لعبت المعرفة المتبادلة والتبادل الفكري دورًا رئيسيًا في تشكيل الوعي الإنساني المشترك. ومع ذلك، يظهر التاريخ أن القوى العظمى، حين تمتلك أدوات القوة والسيطرة، تميل إلى فرض رؤيتها الخاصة بدلًا من الانفتاح على الآخر. هذه النزعة تجعل من الحوار عملية غير متكافئة، حيث يتحول إلى أداة تستخدمها الدول الكبرى لفرض منظورها على الآخرين، بدلًا من أن يكون فضاءً حقيقيًا للنقاش والتبادل المتكافئ. وهذا ما يجعل إعادة الروح إلى الحوار الحضاري اليوم تحديًا حقيقيًا، إذ لم يعد مجرد قضية تواصل بين الثقافات، بل بات يتطلب مقاومة هيمنة القوى الكبرى التي تتحكم في مجرياته.

إن أحد أبرز العوائق أمام استعادة الحوار الحضاري هو احتكار السردية العالمية، حيث تتحكم القوى الكبرى في إنتاج المعرفة وتوجيه الخطاب الثقافي العالمي. من يملك الإعلام، ويسيطر على المناهج التعليمية، ويمتلك المؤسسات البحثية، يصبح هو المتحكم في تشكيل الرأي العام العالمي، وبالتالي، في صياغة طبيعة الحوار الحضاري نفسه. لم يعد الحوار اليوم قائمًا على التكافؤ، بل أصبح، في كثير من الأحيان، إعادة إنتاج لمنطق الأقوى، حيث تُفرض قوالب فكرية جاهزة يتم من خلالها تحديد المقبول والمرفوض، والمشروع وغير المشروع. وهذا لا يعني أن الحوار مستحيل، ولكنه يشير إلى ضرورة تفكيك هذه السرديات الاحتكارية، وإيجاد فضاءات بديلة للحوار بعيدًا عن الإملاءات الأيديولوجية والاقتصادية التي تفرضها القوى المهيمنة.

لقد تحول الاقتصاد من وسيلة للنمو والتنمية، إلى أداة للضغط والتحكم، فقد أصبحت الهيمنة الاقتصادية وسيلة فعالة لتوجيه مسارات الحوار الحضاري. ويتم اليوم استخدام الأدوات الاقتصادية مثل المساعدات الدولية، والاتفاقيات التجارية، والعقوبات الاقتصادية، كأدوات لإجبار الدول والمجتمعات على تبني رؤى محددة تتماشى مع مصالح القوى الكبرى. هذه التبعية الاقتصادية تجعل من الصعب على المجتمعات النامية أو الحضارات الناشئة أن تفرض صوتها داخل الحوار العالمي، حيث تُفرض عليها سياسات اقتصادية وثقافية تحد من استقلاليتها الفكرية. وعندما يُستخدم الاقتصاد كوسيلة للضغط بدلًا من أن يكون أداة تعاون، فإن الحوار الحضاري يفقد معناه، ويتحول إلى عملية غير متكافئة تُفرض فيها المعايير من الأعلى، دون أن يكون هناك مجال حقيقي للنقاش المتكافئ.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :