حكايات الأطفال الصامتة على مقاعد الدراسة
آية عويدي العبادي
26-02-2025 08:04 PM
أكتب هذا المقال من منطلق اهتمامي الأكاديمي بعلم النفس، ودراستي في مرحلة الدكتوراه في هذا المجال؛ حيث يتضح أن الظروف القاسية تترك آثارًا نفسية عميقة على الأطفال؛ فالخوف المستمر، وانعدام الأمان، والتنمر، والفقر العاطفي، كلها عوامل تساهم في تشكيل شخصيات مضطربة تعاني لاحقًا من القلق والاكتئاب، وانخفاض تقدير الذات؛ أما الأطفال الذين يكبرون في بيئات كهذه، فقد يجدوا صعوبة في بناء علاقات صحية، أو قد يحملون مشاعر الغضب والكبت لسنوات طويلة، مما يؤثر في مستقبلهم الأكاديمي والاجتماعي.
إذا رأيت طفلًا يغفو على درج المدرسة، فليس بالضرورة أن يكون مُهملًا؛ وإذا رأيته يجلس في زاوية ما، أو يعاني انخفاضًا في مستوى التحصيل الدراسي، فذلك ليس لأنه كسول، كما يُقال عن أبطالنا الصغار؛ بل هناك معارك ومخاوف يعيشونها لا نعلمها؛ ففي زوايا الفصول المزدحمة، خلف المقاعد الخشبية التي تنوء بحمل أجساد صغيرة وأرواح منهكة، نجد حكايات لم تُحْكَ، وعيونًا تفيض بصمتها بما تعجز الألسنة عن قوله، وقلوبًا تنبض بثقل الأيام رغم هشاشة العمر.
هناك طفل يأتي كل صباح بحذاء قديم وملابس بسيطة أو رثّة، يحاول أن يخفي ارتجاف يديه من بردٍ لم يكن سببه الشتاء وحده؛ بل حياة لم تمنحه الدفء، كراسته بالكاد تحتوي صفحاتها على حبر؛ لكنه يخبئ بين طياتها أحلامًا تذروها الرياح.
وفي الزاوية الأخرى، يجلس طفل آخر، عيناه غائرتان، كأنهما نافذتان على عالم لا يراه سواه؛ لا يرفع يده للإجابة، ليس لأنه لا يعرف؛ بل لأنه يخاف أن ينطلق صوته، فينكشف ما حاول إخفاءه طويلًا، خوفه من العالم، من ليلة أخرى سيقضيها متكوّرًا في ركن الغرفة، محاولًا الهروب من صراخ والديه، من جدران بيته التي امتلأت بخلافات لا تنتهي!
وهناك من يحمل في جسده آثارًا غير مرئية، جراحًا لم تمْحُها الأيام؛ بل الأيدي التي كان يفترض بها أن تمنحه الحنان؛ ضربة على كتفه الصغيرة، صفعة على خده الطري، كلمات تقضم ثقته بنفسه.
وفي زاوية أخرى، هناك من يعاني مشكلة صحية يخفيها، يحاول أن يتظاهر بأنه بخير، يتجنب الحديث عن آلامه، يتفادى الأسئلة، ويبتلع معاناته بصمت، حتى لا يكون مختلفًا في أعين من حوله.
ثم يأتي ذاك الطفل الذي يقف في الساحة وحده، يحاول أن يكون غير مرئي، يتجنب النظرات، يخشى الهمسات التي تمزقه؛ فقد عرف التنمر طريقه إليه منذ زمن، كلماته المتلعثمة، مشيته الخجولة، عيناه المكسورتان...
في كل زاوية من الصف، هناك طفل يحتضن نفسه ليشعر بالدفء؛ وآخر يرسم على ورقته كلمات غير مفهومة، لكنها تروي قصته لمن يقرأها بعين القلب.
أحيانًا، تكمن المساندة في نظرة حانية، في كلمة معلم لم يقلها عابرًا؛ بل وهو يدرك وقعها، في يد تربت على كتف صغير لتخبره أنه مميز وبطل صغير؛ هؤلاء الأطفال يحتاجون إلى الاحتواء، يحتاجون قلوبًا تفهمهم، تقرأ صمتهم، وتمنحهم الأمان.
خلف كل مقعد دراسي، هناك قصة مختبئة؛ خلف كل عينين صغيرتين، عالم من الأحلام والآلام المؤجلة؛ الإصغاء إليهم مسؤولية، أن نجعلهم يشعرون بأنهم مرئيون، بأن وجودهم ذو قيمة؛ لأنهم، رغم كل ما مروا به، ما زالوا أطفالًا، يستحقون طفولة نقية، يستحقون عالمًا لا يحمل على أكتافهم أثقالًا أكبر من قدرتهم على الاحتمال.
إلى كل أب وأم...
تذكروا دائمًا أن أطفالكم ليسوا طرفًا في صراعاتكم، وليس لهم ذنب في خلافاتكم وأعبائكم؛ قلوبهم الصغيرة لا تحتمل أن تكون ساحةً للحروب النفسية، ولا يجب أن يكونوا شهودًا على الألم الذي لا يفهمونه؛ كل كلمة قاسية، كل صرخة، كل تجاهل، يترك فيهم ندوبًا لا تلتئم بسهولة؛ كونوا لهم سندًا، كونوا لهم دفئًا، اجعلوا طفولتَهم حصنًا منيعًا، لا جرحًا مفتوحًا يرافقهم طيلة العمر.