تجيء دبلوماسية اليوم ساحة صراع خفي يُعاد فيها رسم معالم القوة والنفوذ، حيث لا مكان للحياد، ولا مجال للمواقف الرمادية. ما يجري تحولات عميقة، وإعادة هيكلة جذرية لموازين القرار، تُفرز فيها الدول بين من يحكم إرادته ويفرض شروطه، ومن يُختزل دوره في أن يكون ورقة تفاوض تُباع بأرخص الأثمان. وفي العادة يكون لقاء الرؤساء والزعماء مغلقًا قبل أن يخرجوا إلى العلن لإلقاء النتائج والمقترحات وسواها، حيث تدور خلف الأبواب المغلقة نقاشات حقيقية لا تصل إلى مسامع العامة، وتُرسم فيها معالم الاتفاقات أو نقاط الخلاف التي قد تبقى طي الكتمان أو تظهر لاحقًا في صورة قرارات أو توترات. في هذه الأثناء لا تكون التصريحات الدبلوماسية المعلنة سوى انعكاسٍ مقنن لما جرى في الداخل، حيث تُختزل التعقيدات في عبارات منمقة، ويُعاد تقديم المصالح المتشابكة بصيغة أكثر قبولًا للرأي العام.
إنّ ما يجري في الغرف المغلقة هو الاختبار الحقيقي لفن الدبلوماسية، حيث يضع كل طرف أوراقه على الطاولة، بعيداً عمّا يُعلن عنه رسميًا، وفق أولويات غير مرئية تُحدد طبيعة التنازلات الممكنة والحدود التي لا يمكن تخطيها. في هذه المساحات المحجوبة عن الأعين، تُمارس السياسة بمنطق المصالح المكشوفة دون تنميق، حيث يبحث كل طرف عن تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب بأقل قدر من الخسائر، وحيث تصبح الكلمات أدوات للضغط أو التمويه، بقدر ما تكون وسائل للتفاهم.
وحين يغادر القادة هذه الاجتماعات المغلقة، يحمل كلٌّ منهم انطباعًا مختلفًا عن اللقاء، بعضهم يشعر بأنه حقق تقدمًا، وآخرون يدركون أن ما جرى كان مجرد تبادل لوجهات النظر دون اختراق حقيقي، بينما هناك من يخرج وفي جعبته تفاهمات غير مكتملة تحتاج إلى مزيد من المناورة قبل أن تتحول إلى اتفاقات مُلزمة. لكن بمجرد أن يظهر القادة إلى العلن، يبدأ فصل آخر من اللعبة الدبلوماسية، حيث يجب إعادة تقديم ما جرى بلغة تتناسب مع متطلبات السياسة الداخلية والخارجية، مع تجنب الإشارة إلى أي نقاط ضعف أو تنازلات قد تُستغل ضدهم لاحقًا.
إن النتائج التي تُعلن في المؤتمرات الصحفية لا تكون دائمًا مرآة دقيقة لما دار في الكواليس، إذ أن ما يتم إبرازه أمام الإعلام هو الجزء الذي يخدم سردية كل طرف، بينما يتم إخفاء الجوانب الأكثر حساسية والتي قد تعني تراجعًا عن موقف معين أو القبول بشروط لم يكن بالإمكان رفضها في لحظة معينة. والدبلوماسية هي ما يُقال، وهي أيضًا ما يُحجب عن القول، حيث تصبح الصياغات الدقيقة أداة لتفادي الالتزامات الحادة، أو لترك هامش للمراوغة إن تطلبت الظروف ذلك.
وفي بعض الأحيان، يكون اللقاء المغلق ساحةً لمواجهة غير معلنة، حيث يتراشق القادة بالحجج والضغوط بعيدًا عن عدسات الكاميرات، وحيث يتم اختبار مدى قدرة كل طرف على الصمود أمام الإغراءات أو التهديدات الضمنية. فقد يخرج البعض منتصرًا في هذه المواجهات، بينما قد يجد آخرون أنفسهم في موقف لا يُحسدون عليه، مضطرين للبحث عن مخارج تحفظ ماء الوجه قبل مواجهة وسائل الإعلام. وفي كل الأحوال، فإن اللقاءات المغلقة تظل هي الجوهر الحقيقي لصناعة القرار، بينما ما يُقال لاحقًا في العلن ليس سوى الجزء الذي اختير بعناية ليُعرض أمام الجمهور، إما لتعزيز صورة القوة، أو لإخفاء جوانب الخلل، أو حتى لتمهيد الأرضية لتحولات قادمة لم يحن وقت الكشف عنها بعد.
إنّ الدبلوماسية، في جوهرها، لعبة توازن دقيق بين ما يُقال وما لا يُقال، بين ما يُعرض على الطاولة وما يُناقش في الهوامش، وبين ما يظهر للعلن وما يبقى سراً لحين الضرورة. إن اللقاءات المغلقة هي المساحات التي يُعاد فيها رسم المشهد الدولي بصمت، حيث لا تُسمع سوى أصوات الحسابات الباردة، وحيث تُحدد المسارات التي قد لا تبدو واضحة للمتابع العادي إلا بعد أن تأخذ الأحداث مجراها، وحيث تُصنع التفاهمات التي قد تتحول لاحقًا إلى تحالفات أو صراعات وفق ما تقتضيه المصالح الكبرى.