التوافق العربي مع الرؤية الأردنية في قمة القاهرة
أ.د سلطان المعاني
05-03-2025 10:48 AM
جاء الموقف الأردني خلال القمة العربية الطارئة في القاهرة ليؤكد مجددًا على الثوابت الأردنية تجاه القضية الفلسطينية، والتي ترتكز على دعم حل الدولتين ورفض أي محاولات لتهجير الفلسطينيين أو تغيير التركيبة السكانية للأراضي المحتلة. شدد الأردن على أن أي محاولات لفرض واقع جديد على الفلسطينيين، سواء من خلال التهجير أو عبر استمرار الحصار على غزة، وتهجير سكانها تمثل انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي وتهديدًا مباشرًا لاستقرار المنطقة بأكملها. في إطار الجهود الإقليمية، لعب الأردن دورًا رئيسيًا في صياغة الموقف العربي المشترك، حيث شدد على أهمية تبني موقف موحد يرفض السياسات الإسرائيلية الهادفة إلى فرض التهجير القسري على الفلسطينيين.
كما حذر من أن استمرار العدوان الإسرائيلي على غزة، إلى جانب تصعيد المستوطنين في الضفة الغربية، سيؤدي إلى تفاقم الأوضاع بشكل قد يهدد الأمن الإقليمي. وفي هذا السياق، جاء الموقف الأردني متماشيًا مع دعوات القمة لنشر قوات حفظ سلام دولية في الضفة الغربية وقطاع غزة، باعتبار ذلك أحد السبل الممكنة لتحقيق حد أدنى من الاستقرار.
وعلى صعيد إعادة الإعمار، أبدى الأردن استعداده للمشاركة في الجهود الرامية إلى تنفيذ الخطة المصرية لإعادة إعمار غزة، مؤكدًا على ضرورة توفير الدعم الدولي اللازم لضمان نجاحها. كما دعا إلى الإسراع في إدخال المساعدات الإنسانية إلى القطاع، محذرًا من أن استمرار الحصار الإسرائيلي سيؤدي إلى كارثة إنسانية غير مسبوقة. وأكد الأردن، في هذا السياق، على ضرورة التزام إسرائيل بقرارات الشرعية الدولية، وعدم استخدام الحصار كسلاح للضغط على الفلسطينيين سياسيًا.
في الجانب الأمني، شدد الأردن على ضرورة الحفاظ على وحدة القرار الفلسطيني، معتبراً أن استقرار قطاع غزة لا يمكن تحقيقه إلا من خلال تعزيز المؤسسات الوطنية الفلسطينية. كما طرح مبادرة لتدريب وتأهيل كوادر الشرطة الفلسطينية، بما يضمن قدرتها على إدارة الأمن في غزة بشكل مستقل بعيدًا عن التدخلات الخارجية، وهو ما يعكس حرص الأردن على دعم مؤسسات الدولة الفلسطينية في مواجهة التحديات الأمنية المتزايدة.
وقد جاءت هذه الرؤية الأردنية منسجمة مع الموقف الذي تبناه الملك عبد الله الثاني في المحافل الدولية، حيث سبق أن طلب من الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب انتظار الموقف العربي بشأن غزة ومصيرها، تأكيدًا على ضرورة أن يكون القرار في هذا الشأن قرارًا عربيًا موحدًا، وليس خاضعًا لصفقات دولية أو ترتيبات تُفرض من الخارج. وقد كان الموقف الأردني قائمًا على رفض أي سيناريوهات تعزل غزة عن القضية الفلسطينية ككل، أو تحولها إلى ملف منفصل يخضع لترتيبات دولية أو إقليمية دون توافق عربي.
بالنظر إلى نتائج القمة العربية الطارئة في القاهرة، يمكن القول إن مخرجات القمة انسجمت إلى حد كبير مع الطرح الأردني، حيث أكدت على أن القرار بشأن غزة يجب أن يكون قرارًا عربيًا، وليس خاضعًا لأي تدخلات خارجية. شدد البيان الختامي على رفض أي مشاريع تهدف إلى تهجير الفلسطينيين أو إعادة تشكيل الواقع الديموغرافي في غزة والضفة الغربية، وهو ما يتفق مع الموقف الأردني الرافض لأي تغييرات قسرية تفرضها إسرائيل بدعم دولي. كما تبنّت القمة الطرح الأردني بشأن ضرورة أن تكون أي ترتيبات مستقبلية في غزة تحت مظلة السلطة الفلسطينية، وليس عبر ترتيبات خاصة منفصلة. وقد جاء التأكيد على دعم لجنة إدارة غزة، تحت إشراف السلطة الفلسطينية، كتعبير عن الموقف العربي المشترك، وهو ما يعزز من الطرح الأردني الذي شدد دائمًا على أن إدارة غزة لا يمكن أن تكون منفصلة عن السياق الوطني الفلسطيني.
إضافة إلى ذلك، فإن القمة أيدت الدور الأردني المحوري في حماية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، حيث أعادت التأكيد على الوصاية الهاشمية وضرورة احترام الوضع القائم في المسجد الأقصى، وهو مطلب أردني ثابت في جميع المحافل الدولية. كما كان للأردن دور رئيسي في التحذير من التداعيات الإقليمية لأي محاولات تهجير قسري للفلسطينيين، وهو ما انعكس بوضوح في البيان الختامي الذي شدد على خطورة مثل هذه السياسات ليس فقط على الفلسطينيين، ولكن على استقرار الدول المجاورة، بما في ذلك الأردن ومصر.
في المقابل، وعلى الرغم من توافق القمة مع التوجهات الأردنية في العديد من الملفات، فإن بعض القرارات تظل مرهونة بمدى التزام الدول العربية بتنفيذها على أرض الواقع. فالدعوات لعقد مؤتمر دولي لإعادة إعمار غزة والتنسيق مع القوى الدولية لم تتبلور بعد في صورة خطوات عملية واضحة، وهو ما قد يُبقي بعض الجوانب معلقة لحين تبلور موقف دولي أكبر. كذلك، فإن القمة لم تتطرق إلى آليات واضحة لمواجهة السياسات الإسرائيلية بشكل جماعي، مثل فرض عقوبات أو اتخاذ خطوات اقتصادية وسياسية موحدة، وهو ما قد يُضعف التأثير العربي في مواجهة الضغوط الدولية.
بشكل عام، يمكن القول إن القمة الطارئة تبنّت الخطوط العريضة للطرح الأردني، ونجحت في الإبقاء على القرار بشأن غزة ضمن الإطار العربي، لكنها لا تزال بحاجة إلى آليات تنفيذية أكثر وضوحًا لضمان تحويل هذه المواقف إلى سياسات فاعلة على الأرض.