هل الجامعات الأردنية مراكز للإنتاج المعرفي؟
أ.د سلطان المعاني
09-03-2025 12:33 AM
تشكل الجامعات مراكز حيوية لإنتاج المعرفة ودفع عجلة التنمية، حيث يرتبط دورها بتوليد الأفكار الجديدة، وتطوير البحث العلمي، وتعزيز الابتكار في مختلف المجالات. إن تعزيز دور الجامعات في الإنتاج المعرفي يقتضي التركيز على البحث التطبيقي، وربط الأبحاث العلمية بالقطاعات الإنتاجية، وتوجيه الجهود نحو تحقيق الأثر الاقتصادي والاجتماعي للمعرفة. إن تطوير بيئة أكاديمية تقوم على البحث والتجريب يسهم في تمكين الطلبة والأساتذة من المساهمة الفاعلة في إيجاد حلول للمشكلات المعاصرة، كما يعزز ارتباط الجامعات بسوق العمل، ويمنحها دورًا أساسيًا في تطوير الصناعات الوطنية.
إن بناء منظومة أكاديمية تعتمد على الإنتاج المعرفي يتطلب الاستثمار في البحث العلمي، وتوفير التمويل اللازم لدعم المشاريع البحثية، وإيجاد قنوات فعالة لنقل المعرفة إلى القطاعات الاقتصادية. كما أن تعزيز الشراكة مع المؤسسات الصناعية والتجارية يضمن استفادة السوق من المخرجات الأكاديمية، ويحقق التكامل بين المعرفة العلمية والاحتياجات الفعلية للمجتمع. إن الابتكار وريادة الأعمال عنصران أساسيان في هذا السياق، إذ يتيحان تحويل الأبحاث إلى مشاريع اقتصادية قابلة للنمو، مما يعزز دور الجامعات في خلق فرص جديدة، ويدفع بعجلة التطور التكنولوجي نحو مستويات أكثر تقدمًا.
تعتمد الجامعات المنتجة للمعرفة على منظومة تعليمية تفاعلية، حيث يتم توظيف الأساليب الحديثة في التدريس، وإفساح المجال أمام التعلم القائم على البحث والتجربة. إن تطوير المناهج الأكاديمية وفق هذا النهج يسهم في صقل مهارات الطلبة، ويعزز قدراتهم على التفكير النقدي والتحليل العلمي، مما يجعلهم أكثر جاهزية للتعامل مع التحديات المتجددة في مختلف القطاعات. كما أن الانفتاح على التجارب الدولية، وإقامة شراكات مع المؤسسات البحثية الرائدة، يسهم في تعزيز جودة البحث العلمي، ويتيح فرصًا أوسع لنقل وتوطين التكنولوجيا المتقدمة.
إن تحقيق التحول نحو الجامعات المنتجة للمعرفة يقتضي تبني رؤية وطنية واضحة، تضع البحث العلمي في صلب سياسات التعليم العالي، وتوفر بيئة تحفيزية للابتكار والإبداع. كما أن التعاون بين الجامعات والقطاعين العام والخاص يمثل عاملًا جوهريًا في تحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية مستدامة. إن تطوير البحث العلمي، وتحفيز ريادة الأعمال، وتعزيز الارتباط بين الجامعات والمجتمع، خطوات أساسية تساهم في بناء اقتصاد قائم على المعرفة، وتسهم في تحقيق التنمية بمفهومها الشامل. إن بناء منظومة أكاديمية قائمة على إنتاج المعرفة يستوجب تكامل الجهود بين مختلف الأطراف الفاعلة في المجتمع، حيث تشكل الجامعات محورًا رئيسًا في هذه العملية، إلى جانب الدور الذي تؤديه الدولة والقطاع الخاص في دعم البحث العلمي وتطوير بيئة حاضنة للإبداع والابتكار. كما أن تبني استراتيجيات وطنية تدعم الأبحاث التطبيقية، وتخصص موارد كافية للتمويل، يتيح للجامعات إمكانية تنفيذ مشاريع بحثية ذات أثر ملموس في القطاعات الإنتاجية والخدمية، مما يسهم في تحويل المعرفة إلى أداة عملية قادرة على إحداث التحولات المطلوبة في الاقتصاد والمجتمع.
ويجب الوعي بأن الاستثمار في البحث العلمي لا يقتصر على توفير الموارد المالية، فهو يشمل أيضًا بناء ثقافة أكاديمية تعزز من مكانة الإبداع والابتكار، وتشجع الباحثين وأعضاء هيئة التدريس على توجيه أبحاثهم نحو القضايا التي تتطلب حلولًا علمية تطبيقية. كما أن تطوير البنية التحتية البحثية، من خلال إنشاء مراكز متخصصة في مختلف المجالات، يسهم في تحقيق نقلة نوعية في جودة الإنتاج العلمي، ويجعل الجامعات بيئات محفزة للمفكرين والمبدعين، حيث يتم تحويل المعرفة إلى مشروعات تكنولوجية وتقنيات حديثة تدعم قطاعات الصناعة والاقتصاد. كما أن تعزيز الشراكة بين الجامعات والقطاع الخاص يمثل عنصرًا أساسيًا في تطوير منظومة إنتاج المعرفة، حيث يمكن لمؤسسات الأعمال والصناعات أن تستفيد من نتائج الأبحاث الأكاديمية في تطوير منتجاتها وتحسين كفاءتها، كما يمكن للجامعات أن تستفيد من هذه الشراكة في توجيه أبحاثها نحو الاحتياجات الفعلية للسوق، مما يسهم في تقليل الفجوة بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل. إن إشراك ممثلي القطاعات الاقتصادية في تصميم البرامج الأكاديمية، وتوفير فرص تدريبية لطلبة الجامعات داخل المؤسسات الإنتاجية، يرفع من مستوى الجاهزية المهنية للخريجين، ويجعلهم أكثر قدرة على الإسهام في الاقتصاد الوطني من خلال حلول مبتكرة وفعالة.
ويأتي تطوير بيئة جامعية داعمة لريادة الأعمال خطوة جوهرية في تحقيق التحول نحو الجامعات المنتجة للمعرفة، حيث يتطلب ذلك إنشاء حاضنات أعمال داخل الجامعات، توفر للطلبة وأعضاء هيئة التدريس الفرصة لتطوير مشاريعهم الريادية، والاستفادة من الدعم الفني والإداري والتمويلي لتحويل أفكارهم إلى شركات ناشئة قادرة على تحقيق النمو والمنافسة. إن تعزيز ثقافة الابتكار داخل الحرم الجامعي يفتح آفاقًا جديدة أمام الشباب، ويدفعهم نحو تبني نهج يقوم على التفكير الإبداعي، مما يسهم في خلق فرص عمل جديدة، ويعزز من قدرة الاقتصاد على استيعاب الخريجين بطرق أكثر استدامة.
ويمثل الانفتاح على التجارب الدولية ركيزة أساسية في تطوير الجامعات وتحقيق تحولها إلى مراكز لإنتاج المعرفة، حيث تتيح الشراكات مع المؤسسات الأكاديمية الرائدة في العالم فرصًا أوسع لنقل وتوطين التكنولوجيا، كما تسهم في تعزيز القدرات البحثية للجامعات المحلية من خلال تبادل الخبرات وإجراء الدراسات المشتركة. إن إرسال الباحثين إلى المؤسسات البحثية المتقدمة، واستضافة خبراء عالميين داخل الجامعات المحلية، يسهم في إثراء البيئة الأكاديمية، ويرفع من جودة الأبحاث التي يتم إنتاجها، مما يعزز مكانة الجامعات الأردنية على المستوى الإقليمي والدولي.
ويتطلب تحقيق هذه التحولات إرادة قوية من مختلف الجهات المعنية، حيث يقع على عاتق الجامعات مسؤولية تطوير خططها الأكاديمية والبحثية بما يتناسب مع متطلبات المرحلة، كما تتحمل الجهات الحكومية مسؤولية توفير البيئة التشريعية والتمويلية التي تتيح للجامعات ممارسة دورها في إنتاج المعرفة بشكل فاعل. كما أن للقطاع الخاص دورًا رئيسيًا في دعم الابتكار وتمويل الأبحاث التطبيقية، مما يعزز من الترابط بين المؤسسات الأكاديمية والقطاعات الإنتاجية، ويسهم في بناء اقتصاد قائم على المعرفة قادر على تحقيق التنمية المستدامة.
ولعل الوعي بأن بناء جامعات منتجة للمعرفة يشكل خياراً أكاديمياً وضرورة حضارية لضمان مستقبل اقتصادي أكثر استقرارًا وتقدمًا. إن المبادرات التي يتم اتخاذها اليوم في تطوير البحث العلمي وتعزيز ثقافة الابتكار ستؤتي ثمارها خلال السنوات القادمة، حيث ستصبح الجامعات بيئات قادرة على تقديم حلول عملية، وخلق فرص اقتصادية جديدة، والمساهمة بفاعلية في تحقيق التنمية الشاملة. إن التحولات الكبرى تبدأ بخطوات صغيرة، وكل خطوة يتم اتخاذها في هذا الاتجاه تعزز من قدرة الجامعات على الإسهام في بناء مجتمع قائم على المعرفة، حيث تصبح الأفكار قوة دافعة للنمو والتقدم.