أجلس على "مصطبةٍ" صغيرة في منطقة مردف، تلك الرقعة الهادئة من دبي التي تجمع بين خضرة الحدائق واتساع الصحراء، أمامي تمتد الحديقة ببهجتها الخضراء، ومن خلفها يلوح الأفق الرملي بلونه الذهبي، يذكّرني بأن دبي مهما علت بناياتها وتألقت أنوارها ما زالت ابنة الصحراء، تنبض بروحها القديمة رغم ملامح الحداثة التي تغمرها.
لكن ما يجذب نظري حقًا هو السماء.
سماء دبي لا تعرف السكون؛ فهي لوحة متحرّكة تتبدّل ألوانها وتزدان كل مساء بخطوط الطائرات التي تتلألأ في أعاليها كنجومٍ من صنع الإنسان. تمرّ الطائرات واحدةً تلو الأخرى، تهبط في مطار دبي الدولي القريب، أو تقلع منه، حاملةً معها أحلام المسافرين وحنينهم وأسرارهم. تترك خلفها أثرًا أبيض يشبه توقيعًا على صفحةٍ زرقاء، وكأنها تقول للعالم إن دبي لا تعرف التوقف.
وعندما تستمع إلى قصة هذا المطار، تدرك سرّ هذا المشهد البديع؛ فهو اليوم من أكثر مطارات العالم ازدحامًا، ومن الأسرع نموًا، وأصبح رمزًا لحركةٍ لا تهدأ وطموحٍ لا يهدأ.
أحيانًا أرفع رأسي لأتأمل هذا التناقض المدهش:
الحديقة الهادئة من حولي تنبض بالحياة الخضراء، بينما فوقي سماءٌ مزدحمةٌ بالضوء والضجيج. هنا، في مردف، أرى كيف تحتضن دبي تناقضاتها الجميلة؛ الصحراء والمدينة، الهدوء والحركة، الحلم والواقع.
سماء دبي ليست فضاءً تعبره الطائرات فحسب، بل مرآةٌ تعكس روح المدينة، مدينة لا تنام، ولا تعرف الاكتفاء، تسعى دومًا إلى الأعلى، حتى صار أفقها شاهدًا على طموحٍ لا حدود له.