إيقاف الإحالة الوجوبية للتقاعد: تصحيح مسار أم اعتراف متأخر بخطأ إداري؟
د. خالد العاص
24-12-2025 02:49 PM
لا يمكن قراءة قرار الحكومة بإيقاف الإحالة الوجوبية للتقاعد خارج سياقه الأوسع، بوصفه نتيجة مباشرة لسياسات سابقة جرى تمريرها تحت عناوين ترشيد الإنفاق وتحديث القطاع العام، لكنها في التطبيق أفرزت اختلالات واضحة في بنية الجهاز الحكومي، وأثارت تساؤلات جدية حول طريقة إدارة ملف الموارد البشرية في الدولة.
فالقرارات التي فرضت في السابق بإنهاء خدمات موظفين تجاوزت مدة خدمتهم ثلاثين عامًا، أو بلغ عدد اشتراكاتهم في الضمان الاجتماعي حدًا معينًا، تعاملت مع الوظيفة العامة باعتبارها عبئًا ماليًا يجب التخلص منه، لا باعتبارها استثمارًا في الخبرة والمعرفة المؤسسية. وقد أدى هذا المنطق إلى نتائج عكسية، تمثلت في إفراغ بعض المؤسسات من كوادرها الأكثر خبرة، وخلق فجوات إدارية لم تعالج بالتعيينات الجديدة أو بإعادة الهيكلة.
القرار الجديد، وإن بدا في ظاهره خطوة إصلاحية، إلا أنه يعكس في جوهره اعترافًا غير مباشر بأن المقاربة السابقة كانت قاصرة، وربما متسرعة. فالدولة لا تدار بالأرقام المجردة، ولا تقاس كفاءة مؤسساتها بعدد الخارجين منها، بل بقدرتها على الاستمرار في تقديم خدمات فعالة، واتخاذ قرارات مدروسة في ظروف معقدة. وهذا ما تراجع في بعض القطاعات نتيجة الإحالات الإجبارية التي لم تراع خصوصية الوظائف ولا حساسية المواقع.
وعلى المستوى المالي، يكتسب القرار بعدًا إضافيًا في ضوء نتائج الدراسة الاكتوارية لمؤسسة الضمان الاجتماعي، التي دقّت ناقوس الخطر بشأن الاستدامة المستقبلية. فقد تبيّن أن دفع أعداد كبيرة من الموظفين إلى التقاعد لم يكن حلًا حقيقيًا، بل أسهم في إعادة توزيع كلفة الخلل، من إدارة الموارد البشرية إلى منظومة التقاعد، بما راكم التزامات طويلة الأمد على حساب الاستقرار المالي.
غير أن جوهر الإشكالية لا يكمن في القرار بحد ذاته، بل في الطريقة التي تُدار بها الوظيفة العامة ضمن غياب رؤية شاملة تربط بين الاعتبارات الإدارية والمالية. فالتراجع عن الإحالة الوجوبية، دون بناء نظام صارم لتقييم الأداء والمساءلة، قد يحوّل القرار من تصحيح لمسار خاطئ إلى تأجيل لمشكلة أكبر. فالمطلوب ليس الإبقاء على الجميع، بل الإبقاء على القادرين على العطاء، وفق معايير موضوعية واضحة لا تخضع للاجتهاد أو المجاملة.
كما أن هذا التحول يسلط الضوء على إشكالية أعمق في صنع القرار الإداري، حيث يتم الانتقال من سياسة إلى نقيضها دون مراجعة علنية أو محاسبة واضحة. ألا يؤدي غياب التقييم المؤسسي للقرارات السابقة إلى إضعاف الثقة بالإصلاحات المعلنة وجعلها عرضة للتشكيك، حتى وإن حملت في مضمونها توجهًا إيجابيًا؟
في النهاية، يمثل إيقاف الإحالة الوجوبية للتقاعد خطوة ضرورية، لكنها غير كافية. فهي تصحح أثرًا من آثار سياسة غير مدروسة، دون أن تعالج جذور الخلل في إدارة القطاع العام. وما لم يستكمل القرار بإصلاحات حقيقية في أنظمة التقييم، والتدرج الوظيفي، وربط الاستمرار في الخدمة بالإنتاجية لا بالمدة الزمنية، فإن الدولة قد تجد نفسها بعد سنوات أمام المشكلة ذاتها، ولكن بصيغة أكثر تعقيدًا.