تمكين المرأة الريفية من الإقتصاد نحو السياسة
د. سناء العبابنة
01-01-2026 12:58 AM
في القرى والبوادي والأرياف الأردنية، تتشابك التحديات الاقتصادية مع الطموحات الاجتماعية والسياسيّة، ويبرز تمكين المرأة الريفية اقتصادياً كأحد أهم المسارات التنموية القادرة على إحداث تغيير حقيقي ومستدام. فهذا التمكين لا يقتصر على تحسين دخل المرأة بصورة تمنحها مزيداً حالة الإستقلال والإعتماد على الذات أو تعزيز الأمن المعيشي، بل يشكّل ركيزة أساسية لتعزيز حضور المرأة في الحياة العامة ومساراتها الثقافية والفكريّة، وتمكينها سياسياً واجتماعياً.
لقد أثبتت التجارب التنموية أن منح المرأة الريفية فرصاً عادلة في العمل والإنتاج، وتوفير التدريب والتمويل والدعم للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتعزيز حضورها الأكاديمي والثقافي يسهم في نقلها من موقع التبعية الاقتصادية والإجتماعية الطاغيّة إلى موقع الشراكة الفاعلة. فالاستقلال الاقتصادي يمنح المرأة الثقة والقدرة على اتخاذ القرار والدفاع عنه، ويعزز وعيها بحقوقها ودورها، ما ينعكس مباشرة على مشاركتها في الشأن السياسي والعام.
وفي الأردن، حيث تلعب المجتمعات الريفية دوراً لا بأس به في الاقتصاد الوطني، يمثل تمكين المرأة في هذه المناطق خطوة استراتيجية ومهمة لمعالجة قضايا الفقر والبطالة وتحقيق العدالة التنموية. فالمرأة الريفية المنتجة، سواء في التعليم المدرسي والجامعي والزراعة أو الصناعات الغذائية أو الحرف التقليدية، تسهم في تنشيط الاقتصاد المحلي وتعزيز التماسك الاجتماعي، كما تكتسب مكانة مجتمعية تفتح أمامها آفاق المشاركة في البرلمان واللجان المحلية والمجالس البلدية والهيئات المجتمعية.
وتنسجم هذه الجهود مع التوجيهات الملكية السامية التي أكدت مراراً على أن تمكين المرأة يشكّل ركناً أساسياً من أركان التنمية الشاملة. فقد شدد جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين على أهمية تعزيز دور المرأة في مختلف القطاعات، ولا سيما في المجتمعات المحلية، باعتبارها شريكاً رئيسياً في البناء والتنمية. كما أولت جلالة الملكة رانيا العبد الله اهتماماً خاصاً بتمكين المرأة اقتصادياً وتعليمياً، والدفع نحو توفير بيئة داعمة تتيح لها الإبداع والمشاركة الفاعلة في الحياة العامة، مع تركيز واضح على النساء في المناطق الأقل حظاً.
إن العلاقة بين التمكين الاقتصادي والتمكين السياسي علاقة بنيويّة تكاملية؛ فكلما تعزز دور المرأة الاقتصادي، زادت قدرتها على التعبير عن قضايا مجتمعها والمطالبة بحقوقه والمشاركة في صنع القرار. فالمرأة القادرة اقتصادياً تكون أكثر استعداداً لخوض العمل العام، وأكثر تأثيراً في النقاشات المتعلقة بالتنمية والخدمات والسياسات المحلية.
وعليه، فإن الاستثمار في تمكين المرأة الريفية اقتصادياً يُعد استثماراً في مستقبل الأردن ككل. فهو يعزز التنمية المستدامة، ويكرّس مبدأ تكافؤ الفرص، ويمهّد الطريق أمام مشاركة سياسية أوسع وأكثر عدالة، انسجاماً مع الرؤية الملكية التي ترى في المرأة شريكاً كاملاً في مسيرة الإصلاح والتحديث. وتمكين المرأة من العمل والإنتاج هو الخطوة الأولى نحو تمكينها من الصوت الناجز المؤثر والتأثير الأفقي والعامودي، وبناء مجتمع أكثر توازناً وشمولاً.
د. سناء "محمد عمر" العبابنة/ جامعة البلقاء التطببقية.