الشرق الأوسط في خطاب حالة الاتحاد: بين الردع الأمريكي وحسابات الإقليم
كابتن أسامة شقمان
26-02-2026 02:43 AM
في قاعة مجلس النواب بمبنى الكابيتول في واشنطن، وأمام جلسة مشتركة من الكونغرس الأمريكي، ألقى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطاب حالة الاتحاد الذي استمر نحو ساعة وثمانٍ وأربعين دقيقة، في واحدة من أطول كلمات هذا التقليد الدستوري في التاريخ الأمريكي الحديث. وبين التصفيق الحاد من جهة، والصمت المتحفّظ من جهة أخرى، برزت إشارات واضحة تتعلق بالشرق الأوسط، حملت رسائل سياسية وأمنية لا يمكن تجاهلها.
وبوصفي طيارًا متقاعدًا استمعت إلى الخطاب كاملًا، تابعت بدقة كل فقرة تمس منطقتنا، لأن ما يقال في مثل هذا المنبر لا يبقى ضمن حدود البلاغة السياسية، بل يتحول إلى قرارات استراتيجية تنعكس على حركة الأساطيل، وتموضع القواعد، وخطط الطيران، وقواعد الاشتباك.
منذ انتقال الرئيس إلى ملفات الأمن القومي، بدا الشرق الأوسط حاضرًا بوصفه ساحة مستمرة للتحدي. لم يُطرح باعتباره ملفًا ثانويًا، بل باعتباره جزءًا من معادلة الأمن الأمريكي المباشر. التركيز كان واضحًا على منع عودة التنظيمات المتطرفة، والتأكيد على أن الولايات المتحدة لن تسمح بإعادة إنتاج فراغ أمني تستفيد منه جماعات مسلحة كما حدث في مراحل سابقة.
الحديث عن إيران جاء بنبرة حاسمة، تؤكد استمرار سياسة الردع والضغط. الرسالة السياسية كانت واضحة: أي تهديد للمصالح الأمريكية أو لحلفائها في المنطقة سيقابل برد. هذه اللغة، في الحسابات العسكرية، تعني إبقاء الجاهزية مرتفعة، واستمرار الحضور في النقاط الاستراتيجية، سواء عبر القواعد الجوية، أو الانتشار البحري، أو منظومات الدفاع الصاروخي.
عند تناول هذا الملف، كان التفاعل داخل القاعة لافتًا؛ فقد قوبلت العبارات المتعلقة بإيران بتصفيق حار من جانب الجمهوريين، بينما بدا التحفظ واضحًا على وجوه عدد من الديمقراطيين الذين اكتفوا بالصمت. غير أن دعم الجنود الأمريكيين المنتشرين في الخارج حظي بتصفيق من الحزبين، في مشهد يعكس إجماعًا تقليديًا حول المؤسسة العسكرية رغم الخلافات السياسية.
وفي ما يتعلق بإسرائيل، أكد الخطاب استمرار الشراكة الاستراتيجية معها، وربط أمنها بالأمن القومي الأمريكي. لم يتوسع الرئيس في تفاصيل المسار السياسي للصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، لكنه أعاد تثبيت موقع إسرائيل ضمن أولويات السياسة الأمريكية في المنطقة. هذا التأكيد يحمل دلالة واضحة بأن التحالفات التقليدية ستظل حجر أساس في أي معادلة إقليمية.
أما سوريا والعراق، فجاء ذكرهما في سياق منع عودة الجماعات المتطرفة وضمان عدم تكرار الفوضى. من منظور عسكري بحت، فإن هذه العبارات تعني استمرار المراقبة الجوية، والقدرة على تنفيذ ضربات دقيقة عند الضرورة، والحفاظ على خطوط تنسيق مع قوى محلية حليفة.
اللافت أن الخطاب لم يتضمن إعلانًا عن تدخل واسع جديد، كما لم يتحدث عن انسحاب شامل. بل يمكن وصف المقاربة بأنها “وجود محسوب”: حضور دائم يضمن القدرة على التدخل السريع، دون انخراط مفتوح طويل الأمد. وهي سياسة تعكس مزيجًا من الحذر والجاهزية في آن واحد.
داخل القاعة، عكست ردود الفعل حجم الانقسام السياسي الأمريكي. فبينما وقف الجمهوريون مرارًا للتصفيق عند الحديث عن القوة والردع، بقي الديمقراطيون في كثير من الأحيان جالسين بصمت. هذا الانقسام لا يغيّر جوهر الرسالة الخارجية، لكنه يكشف أن السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط ما زالت موضوع جدل داخلي.
في المحصلة، أظهر خطاب حالة الاتحاد أن الشرق الأوسط ما يزال جزءًا ثابتًا في معادلة الأمن القومي الأمريكي. لم يكن محور الخطاب، لكنه لم يكن هامشيًا. بل ظل حاضرًا كمساحة اختبار للنفوذ والردع وإدارة التوازنات.
ويبقى السؤال لنا نحن أبناء المنطقة: هل سنظل نتلقى ارتدادات قرارات تُتخذ خارج حدودنا، أم ننجح يومًا في صياغة منظومة أمن إقليمي مستقلة تقلل من ارتهان استقرارنا لمعادلات القوى الكبرى؟