facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الرسائل النفسية غير المنطوقة لدى الأطفال


آية عويدي العبادي
26-02-2026 01:54 AM

* مقاربة معرفية-نمائية في تفسير السلوك والانفعال

تُعدّ الرسائل النفسية غير المنطوقة لدى الأطفال أحد المفاهيم الأساسية في فهم السلوك الطفولي ضمن الإطار المعرفي-النمائي؛ إذ لا يعبّر الطفل دائمًا عن احتياجاته ومشاعره بصورة لفظية مباشرة، بل يوصلها عبر أنماط سلوكية وانفعالية تحمل دلالات نفسية عميقة، وفي هذا السياق، يصبح السلوك وسيلة تواصل نفسية تعكس ما لا يستطيع الطفل صياغته لغويًا، خصوصًا في المراحل المبكرة من النمو؛ حيث تتشكل البنية الانفعالية بالتوازي مع النمو المعرفي واللغوي.

تنطلق المقاربات النفسية الحديثة من افتراض مفاده أن الطفل لا يملك دائمًا الأدوات المعرفية واللغوية الكافية لتفسير خبراته الداخلية، مما يدفعه إلى التعبير عنها بصورة غير مباشرة، كالتغير في المزاج، أو الانسحاب الاجتماعي، أو نوبات الغضب، أو التعلق الزائد، ولا تُفهم هذه السلوكيات بوصفها اضطرابات بحد ذاتها، بل بوصفها رسائل نفسية تتطلب قراءة سياقية تراعي البيئة الأسرية والانفعالية المحيطة بالطفل؛ لأن السلوك في هذه المرحلة يمثل امتدادًا للحالة النفسية الداخلية أكثر من كونه فعلًا مقصودًا.

تتأثر الرسائل النفسية غير المنطوقة بعدة عوامل، من أبرزها طبيعة العلاقة بين الطفل ومقدمي الرعاية، ومستوى الأمان الانفعالي، وأنماط التنشئة المبكرة؛ فالطفل الذي ينشأ في بيئة داعمة عاطفيًا يميل إلى التعبير التدريجي عن مشاعره بوضوح، بينما يميل الطفل الذي يفتقد الاستجابة الانفعالية المناسبة إلى استخدام السلوك بوصفه قناة بديلة للتعبير، ومع تكرار هذا النمط تتشكل لديه طريقة إدراكية قائمة على الحذر والانفعال المستمر.

وتشير الدراسات النمائية إلى أن الإدراك الانفعالي لدى الطفل يتشكل تدريجيًا عبر التفاعل مع البيئة؛ إذ يتعلم الطفل تفسير مشاعره من خلال استجابات الكبار، وعندما تُهمَل هذه الاستجابات أو تُفسَّر السلوكيات بصورة ضابطة فقط، تتراكم الرسائل غير المنطوقة وتتحول إلى أنماط سلوكية ثابتة قد تستمر في مراحل لاحقة من النمو.

في الحياة اليومية، قد تظهر هذه الرسائل في مواقف تبدو بسيطة، كرفض الطفل الذهاب إلى المدرسة، أو التردد في التفاعل مع الآخرين، أو التغير المفاجئ في الأداء الدراسي، إلا أن القراءة السطحية لهذه السلوكيات قد تُغفل بعدها النفسي، وتتعامل معها باعتبارها مشكلة سلوكية مباشرة دون النظر إلى جذورها الانفعالية والمعرفية؛ ما يؤدي إلى استمرارها بدل احتوائها.

يمثل فهم الرسائل النفسية غير المنطوقة مهارة تربوية ونفسية متقدمة؛ لأنه يتطلب الانتقال من تفسير السلوك إلى تفسير الدلالة، فالسلوك هنا لا يُفهم كحدث منفصل، بل كامتداد لحالة داخلية يسعى الطفل إلى التعبير عنها بوسائله المحدودة، وكلما ازداد وعي الراشدين بهذه الدلالات أصبح التدخل أكثر عمقًا وفاعلية.

ترتبط هذه الرسائل كذلك بعمليات التنظيم الانفعالي؛ إذ يعتمد الطفل في سنواته الأولى على البيئة الخارجية لتنظيم مشاعره، وعندما تتسم البيئة بعدم الاستقرار أو النقد المستمر، يصبح السلوك وسيلة دفاعية تعكس محاولات التكيف مع الضغط؛ فتظهر الانفعالات بوصفها استجابات لحاجة غير مُشبعة.

تشير نتائج الأبحاث النفسية إلى أن الاستجابة الواعية لهذه الرسائل تسهم في تعزيز النمو الانفعالي والمعرفي لدى الأطفال؛ حيث يتعلم الطفل أن مشاعره مفهومة ومقبولة، ما يعزز ثقته بذاته وقدرته على التعبير اللفظي لاحقًا، كما أن توفير بيئة تواصل آمنة يساعد على تقليل السلوكيات الانفعالية الحادة، ويحول دون تحولها إلى أنماط ثابتة.

تشير الدراسات النفسية إلى أن سلوك الطفل غالبًا ما يكون تعبيرًا غير مباشر عن احتياجاته النفسية غير المشبَّعة، وأن الاستجابة الانفعالية الداعمة من قبل الأهل أو المعلمين تقلل من شدة السلوكيات الاندفاعية، كما أن توفير بيئة آمنة ومستقرة يعزز قدرة الطفل على التعبير اللفظي عن مشاعره، بينما يؤدي تجاهل الرسائل النفسية غير المنطوقة إلى تراكم التوتر والانفعال الداخلي، وتثبت الأبحاث أن العلاقة الوالدية المتوازنة تسهم في بناء تنظيم انفعالي صحي لدى الطفل، إضافة إلى أن اللعب والتفاعل الاجتماعي يساعدان على تفريغ الخبرات النفسية غير المعبر عنها، مما يعزز قدرة الطفل على التعبير والتكيف مع البيئة بشكل أفضل.

في ضوء ذلك، لا ينبغي النظر إلى السلوك الطفولي بوصفه مشكلة تستدعي الضبط فقط، بل بوصفه لغة نفسية تحمل دلالات تتطلب الفهم قبل التعديل؛ فكلما تمكّن الراشدون من قراءة هذه اللغة، أصبح التدخل التربوي أكثر فاعلية وإنسانية.

إن إدراك الرسائل النفسية غير المنطوقة لدى الأطفال يمثل مدخلًا أساسيًا لتعزيز الصحة النفسية في المراحل المبكرة؛ لأنه يعيد التوازن بين الخبرة الداخلية والتعبير الخارجي، ويساعد الطفل على الانتقال من السلوك بوصفه وسيلة تعبير وحيدة إلى اللغة والانفعال المنظَّم، فتتسع قدرته على الفهم والتفاعل والتعبير.

فالطفل لا يقول كل ما يشعر به، لكنه يُظهره دائمًا بطريقة ما، وحين يجد من يفهم إشاراته، يتحول السلوك من لغة غير منطوقة إلى تواصل نفسي ناضج، ومن انفعال مشتت إلى خبرة إنسانية قابلة للفهم والنمو.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :