القومية العربية والإسلام: تكامل لا تعارض
م. عبدالفتاح الدرادكة
26-02-2026 02:42 AM
كثيرًا ما تتجدد في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي نقاشات حادة حول القضايا القومية والدينية والعقائدية، وغالبًا ما تُطرح في إطار تصادمي يوحي بوجود تعارض جوهري بين القومية العربية والإسلام. غير أن التمحيص في هذه الطروحات يكشف أن جانبًا كبيرًا منها يستند إلى معلومات غير دقيقة، أو إلى مفاهيم جرى تحريفها وتوظيفها سياسيًا عبر عقود طويلة، حتى بدا الخلاف وكأنه صراع وجودي لا يمكن تجاوزه.
ورغم حدّة هذه السجالات، فإن استمرارها يدل على أن قضايا الهوية والوحدة والمستقبل ما تزال حيّة في الوعي العربي، وأن الأسئلة الكبرى لم تُحسم بعد. وهذا بحد ذاته مؤشر على وجود طاقة فكرية كامنة يمكن – إن أُحسن توجيهها – أن تتحول إلى مشروع نهضوي جامع.
ولتقليص الفجوة بين الفكر القومي والنهج الديني، لا بد من العودة إلى الجذور: إلى بدايات النهوض القومي، وأسبابه، ومبرراته، ومقوماته، لفهم السياق التاريخي والفكري الذي نشأت فيه هذه الأفكار، وصولًا إلى إدراك إمكان التكامل والتفاهم المتبادل بين الاتجاهين.
أولًا: القومية العربية والإسلام… قراءة في الجوهر
في جوهره النظري، لا يقوم الفكر القومي العربي على معاداة الدين أو إقصائه، بل ينطلق من اعتبار العروبة إطارًا حضاريًا وثقافيًا جامعًا، شكّل الإسلام أحد أبرز مكوناته. فاللغة العربية هي لغة القرآن الكريم، والحضارة العربية الإسلامية كانت الحاضنة التي انطلقت منها حركة العلم والمعرفة، وامتد تأثيرها قرونًا طويلة.
لقد انتقل العرب بالإسلام من حالة التشرذم القبلي إلى أفق الدولة والحضارة، فكان الدين عنصر توحيد ودافعًا أخلاقيًا وروحيًا، لا عائقًا أمام الاجتماع السياسي. ومن ثمّ فإن تصوير القومية العربية بوصفها نقيضًا للإسلام يُعد تبسيطًا مخلًا بالتاريخ والفكر معًا. فالانقسامات التي شهدها العالم العربي لم تكن نتاج جوهر الدين، بل نتيجة صراعات سياسية ومصالح ضيقة وتدخلات خارجية.
ثانيًا: الثورة العربية الكبرى وبدايات المشروع القومي
مع أواخر العهد العثماني، تصاعدت سياسات التتريك التي انتهجتها جمعية الاتحاد والترقي، وترافقت مع حالة من الجمود الإداري والتعليمي في ولايات العرب في آسيا، في وقت كانت فيه أوروبا تشهد تحولات كبرى بعد الثورة الصناعية. هذا التفاوت الحضاري، إلى جانب التضييق السياسي، أسهما في بروز تيار فكري عربي يدعو إلى الإصلاح والنهضة.
برز في تلك المرحلة مفكرون ومصلحون مثل عبد الرحمن الكواكبي، وساطع الحصري، وزكي الأرسوزي، وقسطنطين زريق، وميشيل عفلق، ومنيف الرزاز، تأثروا بأفكار النهضة الأوروبية، كما تأثرت أوروبا ذاتها بمفكري الثورة الفرنسية أمثال مونتسكيو وروسو وفولتير. غير أن الفارق الجوهري كان في الظروف الدولية وموازين القوى.
جاءت الثورة العربية الكبرى عام 1916 تعبيرًا سياسيًا عن هذا المخاض الفكري، ورفعت شعار استقلال العرب ووحدتهم في بلاد الشام والعراق والجزيرة العربية. وقد علّقت قطاعات واسعة من النخب العربية آمالًا كبيرة على نجاحها، بل امتدت أصداؤها إلى مصر وشمال أفريقيا التي كانت ترزح تحت الاستعمار.
إلا أن طموح الوحدة وُوجه بحسابات القوى الاستعمارية؛ فبعد الحرب العالمية الأولى جاءت اتفاقيات سايكس–بيكو وتفاهمات سان ريمو لتقسّم المشرق العربي إلى كيانات مجزأة وتُجهض حلم الدولة العربية الموحدة. وهكذا صودرت نتائج الثورة، وتحول الوعد بالاستقلال إلى نظام انتداب وهيمنة، ما شكّل نقطة مفصلية في مسار المشروع القومي العربي.
ثالثًا: بين وحدة الفكرة وانحراف الممارسة
في العقود اللاحقة، تجسّد الفكر القومي في تنظيمات وأحزاب، كان أبرزها حزب البعث العربي الاشتراكي الذي رفع شعارات الوحدة والحرية والاشتراكية. غير أن التجربة العملية كشفت أن وحدة الشعار لا تعني بالضرورة وحدة التطبيق.
فما شهدته الساحتان السورية والعراقية من انقلابات وصراعات داخلية لم يكن دليلًا على تناقض الفكرة القومية في ذاتها، بقدر ما كان تعبيرًا عن هشاشة البنية السياسية، وتغليب منطق السلطة على منطق المبادئ. وعندما تتحول السلطة إلى غاية بحد ذاتها، تتراجع الشعارات أمام حسابات الواقع، وتتسع الفجوة بين النظرية والممارسة.
رابعًا: التجربة الناصرية بين الإنجاز والإخفاق
لا يمكن قراءة مسار القومية العربية دون التوقف عند التجربة الناصرية، التي شكّلت محطة مركزية في التاريخ العربي المعاصر. فقد رفعت شعار الوحدة العربية، وتجسّد ذلك في قيام الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا، وإن لم يُكتب لها الاستمرار.
حققت التجربة إنجازات بارزة، من تأميم قناة السويس وبناء السد العالي، إلى توسيع قاعدة التعليم المجاني، والإصلاح الزراعي، وتعزيز الصناعة الوطنية. كما أعيد بناء الجيش المصري بعد هزيمة 1967، وانطلقت حرب الاستنزاف التي مهّدت لاحقًا لحرب أكتوبر 1973.
وفي المقابل، لا يمكن إغفال جوانب الإخفاق، سواء في إدارة التعدد السياسي، أو في تقدير موازين القوى الدولية. ومن ثم فإن تقييم هذه المرحلة ينبغي أن يكون قراءة متوازنة، بعيدة عن التقديس أو التشويه، إدراكًا لحجم التحديات والطموحات معًا.
خامسًا: الاستعمار وإجهاض مشروع الوحدة
لم يكن تعثر مشروع الوحدة العربية نتيجة عوامل داخلية فحسب، بل كان أيضًا حصيلة تدخلات خارجية مباشرة. فقد حرصت القوى الاستعمارية على إبقاء المنطقة في حالة تجزئة تضمن السيطرة على الموارد وتمنع تشكل قوة إقليمية موحدة. وفي هذا السياق، لعب المشروع الصهيوني دورًا في تعميق الانقسام وإبقاء الصراع مفتوحًا.
كما أُفشلت محاولات التقارب والوحدة كلما اقتربت من خطوات عملية، سواء عبر الضغوط السياسية أو الاقتصادية أو حتى الصراعات غير المباشرة، ما جعل المشروع الوحدوي يصطدم دومًا ببيئة دولية غير مواتية.
سادسًا: نحو مصالحة فكرية ومشروع نهضوي جامع
إن استعادة النقاش حول القومية العربية لا ينبغي أن تكون عودة إلى صراعات الماضي، بل مدخلًا لمراجعة نقدية واعية. فجوهر الخلاف بين التيارين القومي والديني لم يكن في القيم الكبرى كالعدالة والكرامة والحرية، بل في آليات العمل السياسي وأولوياته.
وأي مشروع نهضوي عربي معاصر لا يمكن أن ينجح دون مصالحة فكرية حقيقية بين التيارات المختلفة، تقوم على احترام الخصوصيات، ورفض الطائفية والإقليمية، وتعزيز التكامل الاقتصادي والثقافي بين الدول العربية، ولو بحدوده الدنيا في المرحلة الأولى.
فالوحدة العربية ليست شعارًا عاطفيًا، بل خيارًا استراتيجيًا تفرضه تحديات الأمن والاقتصاد والتنمية. وهي لن تتحقق بقرارات فوقية، بل عبر تراكم مؤسساتي وثقافي طويل النفس يعيد الاعتبار لفكرة المصير المشترك.
تلك هي خلاصة تجربة قرنٍ من المحاولات: الفكرة لم تمت، لكنها تحتاج إلى مراجعة وتجديد، وإلى إرادة سياسية تتجاوز الحسابات الضيقة نحو أفق أرحب يليق بتاريخ هذه الأمة وطموحات أبنائها.
والله من وراء القصد.