سراب الحدود .. كيف تفكر اسرائيل؟
هانم داود
01-01-2026 02:36 AM
"قراءة في عقيدة التمدد من النيل إلى الفرات".
بين ضفتي النيل العظيم وعتبات الفرات الصامد، ينسج الخيال الصهيوني خيوط عنكبوتٍ يراد لها أن تطوق خصر المنطقة العربية. إن الحديث عن أرض الميعاد المزعومة ليس مجرد استحضار لنصوص غابرة، بل هو مخطط يرتدي لبوس السياسة تارة، وقناع الاقتصاد تارة أخرى، ويتحصن خلف فوهات المدافع دائماً.
التفتيت من الداخل (سياسة "فرق تسد")
لا تعتمد إسرائيل في خطتها على الغزو العسكري المباشر لكل هذه المساحات الشاسعة، بل تنتهج استراتيجية نحت الصخر من داخله. هي تسعى لتحويل الدول العربية المحيطة إلى جزر منعزلة، ومجتمعات متناحرة طائفياً وعرقياً.
هي لا تهدم الجدار بضربة واحدة، بل تزرع السوس في خشب البيت حتى ينهار بأهله، فتغدو إسرائيل هي "المركز" القوي وسط شتات ممزق.
الهيمنة الاقتصادية (الاحتلال الناعم)
تخطط إسرائيل لتكون هي العقل المدبر والمركز التكنولوجي للمنطقة، بينما يظل المحيط العربي مجرد سوق استهلاكي أو خزان للمواد الخام. من خلال مشاريع الربط السككي، واتفاقيات الطاقة، والتحكم في الممرات المائية، تسعى لمد نفوذها ليكون نفوذاً شريانياً يتحكم في لقمة العيش وقطرة الماء.
هو احتلال لا يرفع علماً فوق البرلمانات، بل يزرع "شيفرة" التحكم في لقمة العيش، ليصبح القرار السياسي رهيناً لحاجة الأفواه.
التوسع الاستيطاني وقضم الأراضي
ما يحدث في الضفة الغربية والقدس هو النموذج المصغر للمخطط الأكبر. الاستيطان ليس مجرد بناء بيوت، بل هو سرطان جغرافي ينهش الجسد الفلسطيني ليمنع قيام أي كيان مستقل، ويكون منطلقاً لفرض وقائع جديدة على الأرض تتجاوز الحدود المرسومة في المواثيق الدولية.
معركة الوعي وكيّ الوعي
الخطر الأكبر ليس في الطائرات، بل في محاولة إقناع الإنسان العربي بأن وجود إسرائيل من النيل إلى الفرات هو قدر محتوم أو ضرورة للاستقرار. هي معركة غزو العقول قبل غزو الحقول.
يقظة النهرين
إن التاريخ يخبرنا أن الممالك التي تُبنى على أنقاض الشعوب لا تدوم، وأن النيل والفرات ليسا مجرد حدود مائية، بل هما شريانان لكرامة أمة ضربت جذورها في الأرض قبل أن تُعرف الأساطير. إن صمود الشعوب هو الصخرة التي تتكسر عليها أوهام الخرائط المرسومة بدم الأبرياء.
إن الحق الذي وراءه مُطالب لا يموت، والأرض التي تُسقى بعرق كادحيها لا تقبل الغرباء وإن طال الزمان.