لم تكن الثورة في إيران حدثًا مفاجئًا أو عابرًا، بل جاءت نتيجة تراكم طويل من الإحباط والغضب الشعبي تجاه طريقة إدارة الدولة لمواردها وأولوياتها و افكارها. فالشعب الإيراني، عبر سنوات، راقب بلاده وهي تمتلك ثروات طبيعية وبشرية هائلة، لكنه في المقابل وجد نفسه محاصرًا بالفقر، وتراجع الخدمات، وغياب الأفق الاقتصادي و الضغط الفكري و الديني، في وقت تُستنزف فيه هذه الموارد في مشاريع خارج الحدود لا تعود عليه إلا بالمزيد من العزلة والعقوبات.
إيران اليوم تبدو كأخطبوط سياسي...أذرعه تمتد إلى الخارج بلا توقف، فيما جسده في الداخل يضعف ويتقلص. هذا التمدد الخارجي لم يكن قائمًا على فائض قوة داخلية أو اكتفاء اقتصادي واجتماعي، بل على حساب الداخل نفسه. المليارات التي تُنفق على الأذرع والنفوذ الإقليمي تُقتطع عمليًا من حقوق الشعب الإيراني: من صحته، وتعليمه، وبنيته التحتية، ومستقبله. هكذا يُسحب البساط من تحت أقدام المواطنين، بينما تُرفع شعارات “القوة” و“الهيبة” خارج الحدود.
المشكلة الجوهرية في هذا النموذج أنه يعكس خللًا عميقًا في فهم معنى الدولة. فالدولة، في جوهرها، مشروع رعاية وتنمية لمواطنيها قبل أن تكون مشروع نفوذ وهيمنة. لكن النظام الإيراني عكس هذه المعادلة...أهمل واجباته الداخلية، وسرّع خطواته نحو الخارج، وكأن الشرعية تُبنى في العواصم البعيدة لا في شوارع طهران.
في عام 2026، تبدو نتائج هذا الخيار أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. إيران خارج سوريا تقريبًا، نفوذها هناك لم يعد كما كان، وفي لبنان يتضعضع حضورها تحت ضغط الواقع الاقتصادي والسياسي، وفي العراق واليمن لم يعد النفوذ مضمونًا أو مطلقًا كما في السابق. هذا التراجع الخارجي ترافق مع تصدع داخلي متزايد: احتجاجات، أزمات معيشية، فقدان ثقة ، رغبة شعبية بخلع الثوب الديني المتشدد، وشعور عام بأن الدولة لم تعد تمثل تطلعات شعبها بل مشروعًا أيديولوجيًا منفصلًا عنه.
هنا يتجلى مفهوم “الالتهام الذاتي”. فالنظام، بدل أن يغتذي من رضا شعبه وقوته الداخلية، بدأ يلتهم نفسه: يستنزف موارده، ويستنفد شرعيته، ويضعف بنيانه الاجتماعي. التاريخ السياسي يقول بوضوح إن الدول التي نجحت في التمدد الخارجي فعلت ذلك بعد أن اكتفت داخليًا، وبعد أن ضمنت رفاه شعوبها واستقرارها. أما أن تحاول التمدد وأنت تعاني في الداخل، فذلك ليس توسعًا، بل مسار انتحاري بطيء.
إذا استمر هذا النظام على الوتيرة ذاتها، دون مراجعة حقيقية لأولوياته ودون إعادة الاعتبار للشعب كغاية لا كوسيلة، فإن بقاءه نفسه يصبح موضع شك. فالدول لا تسقط فقط بفعل الضغوط الخارجية، بل غالبًا ما تسقط حين تأكل نفسها من الداخل. وإيران اليوم، أكثر من أي وقت مضى، تقف أمام هذا السؤال المصيري: دولة لشعبها، أم مشروع هيمنة يلتهم ذاته حتى النهاية؟