الحرب الشرق أوسطية: من تهميش إيران إلى إعادة رسم موازين القوة الإقليمية
د.شيم فلاح المجالي
16-03-2026 02:58 PM
منذ التلويح بالحرب والتصعيد الكلامي والإعلامي الذي ظل يخيّم على مسار المفاوضات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني، بدت الادارة الامريكية وكأنها تعمل جاهدة على إضعاف أو الاطاحة بالنظام الايراني وخلخلة ركائزه، تبنّت المؤسسات السياسية والإعلامية الأمريكية خطاباً يعتبر البرنامج النووي الإيراني تهديدًا مباشرًا للولايات المتحدة ولمصالحها، فضلًا عن كونه خطرًا على استقرار المنطقة بأكملها.
غير أن المشهد لم يتوقف عند حدود هذه السردية فبعد انتهاء حرب الاثني عشر يومًا لم يتراجع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وحكومته عن مواصلة التحذير من “الخطر الإيراني” على المنطقة في كل خطاباته الإعلامية والسياسية وتحركاته الدبلوماسية بما في ذلك زياراته المتكررة إلى ولاية فلوريدا، التي تضم مراكز قيادة عسكرية أمريكية مسؤولة عن إدارة العمليات في الشرق الأوسط.
وبرزت شخصيات كجاريد كوشنير وستيف ويتكوف لقيادة دفة المفاوضات الأمريكية الايرانية لكن بدون تقدم يذكر او جدوى تفيض الى ارضاء جميع الاطراف. إيران لم تقدم تنازلات كافية من وجهة النظر الامريكية في حين أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب – بطبيعته السياسية – يميل إلى تحقيق صفقات سريعة وواضحة النتائج، هذا كله كان ينسجم إلى حد بعيد مع رؤية نتنياهو الرافضة أساسًا لفكرة المفاوضات مع إيران.
في هذا السياق بدا واضحًا أن المنطقة تقف على حافة تحول استراتيجي كبير، يتجاوز مجرد الضغط التفاوضي أو إعادة ضبط قواعد الاشتباك. فالتطورات المتسارعة تشير إلى أن ما يجري ليس مجرد جولة تصعيد تقليدية، بل ملامح تشكّل مشهد صراعي أوسع يمكن وصفه بالحرب الشرق أوسطية متعددة المستويات.
في جوهر الامر يبدو ان الهدف المخفي للمفاوضات ولكثير من السياسات الإقليمية والدولية يتمثل في تهميش الدور الإيراني وتقليص نفوذه في الإقليم وتحييد قوتها الصاروخية ووأد فكرة السلاح النووي او "الطاقة النووية". وقد عبّر عن ذلك بوضوح وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو حين أبدى استغرابه من سعي دولة منتجة للنفط إلى تطوير برنامج للطاقة النووية.
غير أن المؤشرات الراهنة توحي بانتقال واضح في طبيعة المقاربة الاستراتيجية؛ إذ لم يعد الهدف يقتصر على تهميش إيران، بل يبدو أن هناك محاولة لتهشيم قوتها وإعادة صياغة موقعها في معادلة القوة الإقليمية.
ومع ذلك، فإن المضي في مثل هذه المقاربة التصعيدية لا يخلو من تحديات معقدة، خصوصًا في ظل الضغوط الاقتصادية المتزايدة داخل الولايات المتحدة نتيجة الارتفاع السريع في أسعار الطاقة، وهو ما يدفعها إلى البحث عن انسحابات تكتيكية أو تخفيف حدة التصعيد في بعض الملفات. فارتفاع أسعار المحروقات لا ينعكس فقط على الاقتصاد الأمريكي، بل يمتد تأثيره إلى سلاسل الإمداد العالمية وأسعار السلع الأساسية الذي بدوره يُبحرُ في موجٍ متلاطم بلا ملامح واضحة آخذاً معه اغلب السلع الاساسية الى مثلث برمودا جديد لا يعلم المستهلك خباياه الخطرة.
أما إيران فتسعى لإظهار قوتها وصمودها جراء تحول المشروع الأمريكي-الإسرائيلي الى كسر القوة الايرانية وأذرعها الممتدة في جميع انحاء المنطقة. حيث كثفت استخدام صواريخها والطائرات المسيرة، مستهدفةً اغلب دول المنطقة واعتماد منطق إذا وقعت فلن ينجو أحد ولو اقتصادياً وهذا تمثل في اغلاق مضيق هرمز أو من خلال التأثير على حركة الملاحة والطاقة في المنطقة.
وفي هذا السياق، لا يمكن قراءة التصعيد العسكري بمعزل عن مسار أوسع يتعلق بإعادة تشكيل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط. فالحرب – إن اتسعت – لن تكون مجرد مواجهة مباشرة بين طرفين، بل ستتخذ طابعًا مركبًا يمتد عبر مسارح متعددة، من الخليج إلى شرق المتوسط، مرورًا بالعراق وسوريا وربما مناطق أخرى.
كما أن هذه الحرب، إن تحولت إلى مواجهة واسعة، لن تكون صراعًا عسكريًا فحسب، بل صراعًا على إعادة توزيع موازين القوة والنفوذ في المنطقة. فالرهان الحقيقي لا يتعلق فقط بقدرات إيران العسكرية أو النووية، بل بموقعها السياسي والاستراتيجي في النظام الإقليمي الذي يتشكل.
من هنا، قد يكون ما نشهده اليوم بداية مرحلة جديدة من الصراعات في الشرق الأوسط، مرحلة تتجاوز منطق إدارة الأزمات إلى منطق إعادة رسم التوازنات الكبرى. ففي مثل هذه اللحظات التاريخية، كثيرًا ما تكون الحروب أداة لإعادة صياغة النظام الإقليمي، لا مجرد نتيجة لتصعيد عابر.