في تَشكُّل "الزعامة" بالأردن
د. محمد البطاينة
05-01-2026 11:37 PM
كانت طموحات الملك الأريب عبدالله الأول بإقامة دولة عربية موحدة تضم العراق و سوريا الكبرى و تكريس زعامته السياسية بما يتجاوز حدود الأردن هي محاولة حالمة لاستعادة التاريخ و الجغرافيا بعدما ارغمته الظروف الموضوعية و الواقعية على التخلي عن هذا المشروع في العقود السالفة؛ لقد كان الأردن قادراً عسكرياً على تنفيذ المشروع وتبرهن ذلك بكفاءة و قدرة الجيش الأردني على المحافظة على الضفة و المدينة المقدسة ١٩٤٨ ؛ و ظن الملك ان الفرصة مواتية من الناحية السياسية لتراجع نفوذ بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية في مقابل صعود القوة الأمريكية الفتية في المنطقة؛ و الواقع ان الملك الهاشمي الجسور لم تخدمه الظروف السياسية في ذاك الزمان؛ ذلكَ ان قيام وحدة بين دول المشرق تحت عرش الملكية الهاشمية اصطدم بالارادة الدولية الرافضة لكسر حدود التقسيم ولم يحظى بقبول الدول المنافسة للهاشميين بالجوار العربي كما كانت محاولات توحيد سوريا الكبرى تغتال احلام اليمين بتمدد اسرائيل الكبرى؛ وهكذا وُئد ذلك المشروع في مهده بعد أن رفعت القوى الغربية الغطاء الدولى عن الملك الطموح للزعامة العربية وارتقى " شهيد الوحدة" في القدس ١٩٥١ بإرادة دولية وتنفيذ أدوات المشاريع" السلطوية التحررية" الناقمة على مشروع السيادة الأردنية على الضفة الفلسطينية و لطالما كانت الاغتيالات السياسية على مدار التاريخ و الجغرافيا تتم بإرادة دولية و أداة ايدلوجية.
في حقبة الملك طلال صيغ َالدستور الاردني الأثير (١٩٥٢) الذي كرس الشرعية الشعبية بالحكم النيابي الملكي الوراثي لكنه لم يمنح الملك حسين سوى ملكية دستورية على الطراز البريطاني، الانقلابات والثورات تصنع زعامات شابة كعبد الناصر لكن الدساتير والقوانين لم تُسعف ملكاً شاباً في بداية عهده ليحظى بهذا الحُلم، واسقاط القوى السياسية والشعبية لخيار ملكي بالانضواء في المعسكر الغربي عبر حلف بغداد ١٩٥٥ كرسَ هذه الحقيقة. قرأ الملك الراحل الحسين الانعطافة التاريخية المتمثلة باتساع النفوذ الأمريكي في المنطقة و تقهقر القوة البريطانية وقد تجلى ذلك بوقف امريكا للعدوان الثلاثي على مصر ١٩٥٦؛ مستفيداً من ذلك المناخ سارع الملك إلى أخذ قرار سيادي بتعريب الجيش وطرد الجنرالات الإنجليز ، وفي ذات العام دعا إلى انتخابات نيابية فارتفعت أسهم الملك بين الجماهير وتعبدت الطريق إلى الزعامة الملكية فالزعامة لا تُفرض بل تُصنع؛ وهكذا رمى الملك ببذور ثورة كانت ستطل برأسها في مطحنة تعريب الجيش والانتخابات النيابية.
بدت الحكومة البرلمانية بقيادة الزعيم اليساري سليمان النابلسي المنتمي للحزب الوطني الإشتراكي منسجمة مع الملك في ضرورة التحرر من قيود المعاهدة البريطانية ١٩٥٧؛ لكن سرعان ما تحولت إلى حكومة ضرار للقصر فأظهرت انحيازاً إلى المعسكر الشرقي وتبنت اتجاهات ماركسية في بلد يطرحُ قانوناً لمكافحة الشيوعية؛ وأذعنت لرؤية أممية استتباعية (ناصرية) ولتضيع بذلك فرصة فرض الشرعية الوطنية المستقلة في مسار المعادلة الدولية. اتُهمت حكومة النابلسي بالتخطيط للانقلاب مع ضباط في الجيش؛ أرسل عبدالناصر رسالة "للانقلابين" في الأردن (حسب نذير رشيد أحد الضباط الأحرار آنذاك ) يقول فيها " لا تذعنوا وأثبتوا في أماكنكم "؛ والواقع انه كان " انقلاباً على انقلاب" فصفوف الضباط الأحرار كانت منقسمة بين المعارضين و الموالين للملكية الذين بدورهم احبطوا مخطط الانقلاب قبل موعد ساعة الصفر؛ الإخوان المسلمون من جانبهم دعموا هذه الخطوات فقد كانت الجماعة تخشى _إذا ما نجح الانقلاب _انتقال عدوى الاضطهاد من الموالين للناصرية، لكن المحصلة السياسية النهائية كانت بتجميد الحياة الحزبية والبرلمانية.
آن للدولة الاردنية ان تمد ذراعيها فأعلنت عن موافقتها على مشروع أيزنهاور لملأ الفراغ و الذي يرمي إلى ايقاف تمدد الإتحاد السوفيتي في المنطقة وهنا يمكن وضع إزاحة حكومة النابلسي في هذا السياق الدولي و ايضاً كفرق حساب لفاتورة الحماية الامريكية لعبد الناصر في حرب السويس ، وبهذه اللحظة التاريخية من ذاك الزمان تكرس الملك الحسين زعيماً مطلقاً في مملكته حتى وفاته وهو الذي اجترح طريقها بالمحطات الصعبة التي وهنت بسبب صلابته أمام المفاصل و المنعطفات التاريخية بالاستناد الى قاعدة بيروقراطية وطنية شكلت السياج الحامي للدولة.
انقلاب الشيوعيين على الملكية العراقية ثم الوحدة السورية المصرية ١٩٥٨؛ جعلت النظام الاردني في عزلة لتحيط به الأخطار كما يحيط السوار بالمعصم خصوصاً بعد اتهام دولة الجمهورية المتحدة باغتيال الزعيم الوطني رئيس الوزراء هزاع المجالي ١٩٦٠. هذه الضغوط الخارجية على النظام انعكست على المشهد الداخلي، وفرضت على الدولة الأردنية تسوية اجتماعية وسياسية للحفاظ على الكيان من التعثر من خلال التعاضد مع القيادات والطبقات الشعبية الأردنية ليعيد الأردنييون صياغة وجودهم وكينونتهم ويشكلوا جداراً استنادياً لحماية بنية الدولة الاردنية من التصدع، كان ذلك مع نهاية عقد الخمسينات مع صعود الزعيم الوطني وصفي التل ملتحقاً برفيق دربه هزاع المجالي اللذان خطا مساراً سياسياً ملتحماً بالملكية ومفارقاً للاحزاب الأممية- التي انتموا لها في بداية حياتهم السياسية- بعد ان ارتمت هذه الايدلوجيات بأحضان الدول التقدمية و تبنت اتجاهات الحاقية (غير وطنية) شكلت تهديداً وجودياً للكيان الاردني وهويته المضغوطة حد الإلغاء تحت ثقل التنظيمات "النضالية والتحررية". رفض التل آنذاك الأفكار الماركسية باعتبارها خارج الواقع وتتنافى مع القيم العربية والإسلامية، كما لم يقبل رؤية الإخوان واتجاهاتهم باعتبارهم جماعة خلف الواقع، في ذات الوقت حرق ملفات المعارضين اليساريين وشرع الأبواب لهم وللإسلاميين ايضاً للمشاركة في بناء الدولة .وصفي التل أدرك أنّ" المعركة مع اسرائيل لا تساوي النصر " كما كانت تروج آلة التهريج العربية بل وقوع الكارثة على حد وصفه؛ لقد كان رأي الرجل جسوراً في أجواء صاخبة مع" لا صوت يعلو على صوت المعركة".
في ٥ حزيران ١٩٦٧ باغتت اسرائيل الدول العربية، ودخل الجيش الأردني الحرب تحت قيادة الجنرال المصري عبد المنعم رياض، رمى رياض بخطة التل العسكرية " خطة طارق" التي تقوم على التمركز بالقدس بغية الحفاظ عليها لبعدها الإستراتيجي في المعركة وأصّر على الحشد العسكري في جنوب الضفة ليلتقي الجيشان في النقب، لم يصل الجيش المصري صحراء النقب ولا حتى صحراء سيناء؛ وفي هذه الأثناء ضُربت الطائرات في المطارات وبدأ القتال الضاري بين الجيش الأردني والإسرائيلي من دون غطاء جوي، ومهما قيل ويُقال عن هذه الهزيمة النكراء فقد استشهد على الجبهة الاردنية نصف الجنود والنصف الآخر على طول الجبهات، وهو ما دفع عبدالناصر_ الذي زاود على الدولة الأردنية على مر السنوات التي سبقت الحرب_ ليوجة رسالة للأردنيين في ظلال الحرب قال فيها: "يوم يكتب التاريخ سيذكر شجاعتكم وصمودكم وأنّ الجيش والشعب و القيادة دخلوا المعركة دون تردد ومن دون النظر لأي اعتبارات أخرى إلاّ اعتبار الشرف والواجب".
قصارى القول؛ لقد أثبتت تداعيات تلك الحرب المفصلية في تاريخ العرب؛ متانة الرؤية الأردنية الثاقبة؛ لتعيد هذه الهزيمة للزعامة الناصرية الشعبوية الاعتبار لصدق ودقة قراءة القيادة الاردنية للحالة العربية المتردية في تلك السنوات.