في اختبار الوضوح: الأزمة تبدأ قبل التنفيذ
لانا ارناؤوط
07-01-2026 01:49 AM
في الدول التي تحترم عقل مواطنيها، لا تبدأ السياسة من الخطاب، بل من الوضوح فالقرار العام ليس موقفًا عاطفيًا، ولا استجابة آنية لضغط سياسي أو إعلامي، بل نتيجة تعريف دقيق للمشكلة، وللأدوات، وللنتائج المتوقعة هنا تحديدًا يظهر ما يُعرف في تحليل القرار باختبار الوضوح، وهو المعيار الذي يحدد إن كان القرار قد بُني على فهم حقيقي، أم على افتراضات فضفاضة تقود حتمًا إلى الإرباك والتناقض.
اختبار الوضوح، كما يطرحه علم تحليل القرار، يسأل سؤالًا بسيطًا لكنه قاسٍ: هل يمكن لشخص يمتلك معرفة كاملة أن يحدد بوضوح ما إذا كان الحدث قد وقع، أو ما إذا كانت القيمة قد تحققت، دون الحاجة لتفسير أو تأويل؟ إن لم يكن الجواب نعم، فهذا يعني أن المشكلة ليست في التنفيذ، بل في أصل القرار نفسه .
عند إسقاط هذا المفهوم على المشهد الأردني، تتضح فجوة مقلقة بين النوايا المعلنة والنتائج الواقعية كثير من القوانين، والأنظمة، والتعليمات، تُقرّ دون أن تجتاز اختبار الوضوح تُستخدم مصطلحات عامة مثل “تنظيم”، “تحسين”، “ضبط”، “تطوير”، دون تعريف إجرائي واضح، ما يفتح الباب أمام تفسيرات متناقضة بين وزارة وأخرى، وبين الحكومة ومجلس النواب، بل وأحيانًا داخل الجهة الواحدة.
نرى ذلك جليًا حين تُقرّ سياسات ثم يبدأ الجدل بعدها: من المسؤول عن التنفيذ؟ ما الجهة المرجعية؟ ما المؤشر الحقيقي للنجاح؟ هل تحقق الهدف أم لا؟ هذه الأسئلة لا تُطرح عبثًا، بل لأنها لم تُحسم منذ البداية القرار الذي لا يحدد متغيراته بدقة، ولا يعرّف نتائجه بشكل قابل للقياس، يتحول من أداة حكم إلى مادة خلاف.
الخطير في غياب اختبار الوضوح ليس فقط تضارب التصريحات، بل اهتزاز الثقة العامة. المواطن لا يرى تفاصيل الصياغات القانونية، لكنه يلمس أثرها في حياته اليومية وحين يسمع تفسيرًا من وزارة، ونقيضه من نائب، وثالثًا من جهة رقابية، يدرك تلقائيا ان الخلل ليس في الفهم الشعبي، بل في القرار نفسه.
السياسة العامة في الأردن، كما في كثير من الدول، تعاني أحيانًا من الخلط بين القرار السياسي والرسالة السياسية يُصاغ القرار ليُرضي لحظة سياسية أو توازنات آنية، لا ليُجيب عن سؤال واضح: ماذا نريد أن نغيّر؟ وكيف سنعرف أننا نجحنا؟ ومتى؟ ووفق أي معيار؟ اختبار الوضوح يفرض هذه الأسئلة قبل أن يخرج القرار إلى العلن، لا بعد أن تتراكم الأخطاء.
مجالس النواب، من جهتها، ليست معزولة عن هذا الإشكال حين تُناقش قوانين غير واضحة التعريف، يصبح الخلاف حتميًا نائب يفسر النص من زاوية، ووزارة من زاوية أخرى، وكل طرف يملك “مبرراته” لكن السياسة الرشيدة لا تُدار بالمبررات، بل بالمعايير القابلة للحسم.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في إدارة الدولة هو التعامل مع الغموض كمساحة مرنة، لا كخلل بنيوي الغموض قد يخدم الخطاب، لكنه يدمّر القرار واختبار الوضوح ليس ترفًا أكاديميًا، بل أداة حماية للسياسة نفسها، من أن تتحول إلى سلسلة من التبريرات بدل أن تكون منظومة حلول.
الأردن، بما يملكه من مؤسسات راسخة وتجربة سياسية متراكمة، قادر على تجاوز كثير من الإشكالات المتداولة اليوم لو أُعيد الاعتبار لمبدأ بسيط: لا قرار بلا تعريف واضح، ولا سياسة بلا معايير قابلة للحسم، ولا تشريع لا يستطيع “شخص كلي المعرفة” أن يحكم على نتائجه دون جدل.
حين يخضع القرار لاختبار الوضوح، تقل الأخطاء بين الوزارات، وتخف حدة الاشتباك مع مجلس النواب، وتستعيد السياسة معناها الحقيقي: إدارة الشأن العام بعقل بارد، ولغة دقيقة، ومسؤولية يمكن قياسها، لا تأويلها.