حين تُقرأ المقابلات بين السطور: ما الذي قاله الرئيس .. وما الذي لم يقله؟
الدكتور عادل الوهادنة
12-01-2026 12:53 PM
من يستمع إلى مقابلة دولة رئيس الوزراء، تاركًا خلف ظهره نمط التشكيك غير المنتج، ويقرأ ما قيل بعين هادئة، بل ويتوقف عند ما قيل بين السطور، سيدرك أن المقابلة لم تكن مجرد إجابات إعلامية عابرة، بل رسالة سياسية وإدارية متعددة المستويات. أتحدث هنا عن مقابلة دولة الرئيس على شاشة التلفزيون الأردني، التي تستحق قراءة أعمق من ردود الفعل السطحية، لأنها تعكس طريقة تفكير الحكومة، وحدود حركتها، وهوامش قرارها، في مرحلة دقيقة داخليًا وإقليميًا.
نقاط تحليلية رقمية – قراءة متوازنة بين السطور:
1. لغة التثبيت لا لغة الوعود
المقابلة خلت من السقف العالي للوعود، واعتمدت لغة “الإدارة الواقعية”، ما يشير إلى إدراك حكومي لحساسية الشارع تجاه الخطاب الإنشائي، ومحاولة تثبيت التوقعات بدل تضخيمها.
2. التركيز على الاستمرارية لا القطيعة
لم يظهر في حديث دولة الرئيس أي خطاب قطيعة مع الحكومات السابقة، بل إشارة ضمنية إلى البناء التراكمي، وهو اعتراف غير مباشر بأن المشكلات بنيوية وليست وليدة فترة قصيرة.
3. الاقتصاد كإطار حاكم لكل الملفات
حتى القضايا الخدمية والاجتماعية قُدّمت من زاوية اقتصادية، ما يعكس أن القرار السياسي بات مقيدًا بمعادلات مالية واضحة، وأن هامش المناورة مرتبط بالقدرة على التمويل لا بالرغبة فقط.
4. غياب الشعبوية كرسالة بحد ذاتها
عدم استخدام خطاب شعبوي أو تحميل “الآخر” المسؤولية يوحي بمحاولة واعية لتجنب الاستثمار العاطفي، وهو أمر قد يُحسب للحكومة إداريًا، وإن كان لا يُرضي بعض المزاج العام.
5. الحديث عن التحديات دون تسميتها بالكامل
دولة الرئيس أشار إلى “تعقيدات” و”ضغوط” دون تفصيل، وهي لغة مقصودة غالبًا، تعكس إدراكًا لحدود ما يمكن قوله علنًا، خصوصًا في ملفات ذات أبعاد سياسية أو إقليمية.
6. الإدارة لا القيادة الكاريزمية
الصورة التي خرجت من المقابلة هي صورة رئيس حكومة “مدير ملفّات” أكثر من كونه قائدًا كاريزميًا، وهو نمط قد يكون مناسبًا لمرحلة ضبط الإيقاع، لكنه أقل جاذبية جماهيريًا.
7. الرسالة الضمنية للبيروقراطية
في أكثر من موضع، كان الخطاب موجّهًا – بين السطور – إلى الجهاز التنفيذي نفسه، بأن زمن القرارات السهلة أو الفردية قد انتهى، وأن العمل سيكون ضمن منظومات وإجراءات.
8. مقارنة غير مباشرة مع الإقليم
من دون ذكر أسماء أو دول، بدت المقابلة وكأنها تضع الأردن في سياق إقليمي مضطرب، وتُبرز خيار “الاستقرار المُدار” بدل المغامرة، وهي مقارنة ذكية وإن لم تُصرّح بذلك.
9. الصمت عن بعض الملفات رسالة لا تقل أهمية
غياب الحديث التفصيلي عن ملفات محددة لا يعني تجاهلها، بل قد يعكس إما حساسية التوقيت أو أن أدوات الحل ليست بيد الحكومة وحدها، وهو ما يجب أن يُقرأ بعقل بارد.
10. المقابلة كجزء من سردية أوسع للدولة
في المحصلة، لم تكن المقابلة حدثًا منفصلًا، بل حلقة في سردية إدارة الدولة في هذه المرحلة: تهدئة، ضبط توقعات، تقليل الضجيج، والعمل ضمن الممكن لا المأمول.
خلاصة:
قراءة مقابلة دولة رئيس الوزراء بعين تحليلية، بعيدًا عن التشكيك المسبق أو التمجيد السريع، تكشف خطابًا محسوبًا، يعكس وعيًا بحدود اللحظة السياسية والاقتصادية. قد نختلف أو نتفق، لكن الإنصاف يقتضي أن نقرأ ما قيل، وما لم يُقل، في سياقه الكامل.