facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الفساد .. بين الحقيقة والواقع الانطباعي والحلول الممكنة


العين د. زهير أبو فارس
12-01-2026 07:38 PM

الفساد-مفهوم واسع وظاهرة مركبة لها أشكالها واسبابها وتداعياتها المختلفة، وتشمل طيفا واسعا من الممارسات: كالرشوة، والاختلاس ، والابتزاز، والمحاباة، واستغلال السلطة والنفوذ.. وكل ما يضر المصلحة العامة، ويصب في الصالح الشخصي. وتبقى الواسطة في التعيين والترفيع، والحصول على المكاسب المالية والإدارية، من أكثر الممارسات انتشارا وتأثيرا في خلق حالة مزاج شعبي ، تتميز بعدم الرضا، والشعور بالظلم والغبن ، وغياب العدالة وتكافؤ الفرص، مما يؤدي في المحصلة إلى التنافس التناحري، واضعاف روح الإنتماء والعطاء في إطار المجتمع الواحد. والمهم هنا هو أن استمرار هذه المظاهر السلبية دونما معالجات حقيقية وفعالة، يحولها ،مع الزمن ، إلى ثقافة سائدة، يتم التعايش معها " كامر واقع" (de facto)، وبخاصة لدى الأجيال الشابة، مما يجعل استئصالها مسألة بالغة الصعوبة.

وبعد، وإذا ما اسقطنا كل ذلك على حالتنا الأردنية، فلا بد من طرح بعض التساؤلات ، قبل أن نخوض في مناقشة هذه الحالة،واقترح الحلول المناسبة لها.

فبداية: هل يوجد لدينا فساد ؛ وما هي اشكاله وجذوره؛ وهل هناك مبالغة في الحديث حول حجمه؛ وما هو حجمه الحقيقي في بلادنا؛ وهل تحول إلى ظاهرة متفشية لها بيئتها الحاضنة؛ وما علاقة كل ذلك بالوعي المجتمعي؛ واخيرا، هل لدينا رؤية عملية فعالة كفيلة بمواجهة هذه الظاهرة(ان وجدت) واستئصالها ؟؟.

فحسب علماء الاجتماع فإن مظاهر الفساد النابعة من النزعة الفطرية للإنسان للاستحواذ على المكاسب لشخصه وذاته موجودة لدى المجتمعات البشرية عبر التاريخ ، لكن منظومات القيم والأخلاق( من خلال التربية والتعليم والتوجيه) ، وتطبيق القوانين ، كانت دائما(ولا تزال) الوسائل التي تستخدمها المجتمعات في مواجهة المحوري الأنانية، والطمع، والتمركز حول الذات، والتي لا بد أن تتم في الجو العائلي ، وفي المؤسسات التعليمية، وفي المحيط الإجتماعي. اي أن التحرر من الأنانية الغرائزية، ليس ممكنا بدون التربيةالانسانية. هذا من حيث المبدأ.

ولكن، وعودة إلى ظاهرة الفساد بأنواعها، فلو السؤال التالي على الإنسان العادي: هل لدينا فساد في بلادنا؟، اعتقد جازما أن نسبة كبيرة من الناس ستجيب بنعم، دونما تردد، بل ان لدى العديد منهم لديه "انطباع" بأن الفساد منتشر ، ويعم مؤسساتنا العامة والخاصة، والذي يمكن نطلق عليه "الفساد الانطباعي". والحقيقة أن مظاهر وممارسات الفساد موجودة في مؤسساتنا ، وبخاصة العامة منها ، لكنها ليست بالمستوى الذي يتخيله البعض، وللاسباب التي ذكرناها في مقدمة حديثنا، وهي، في غالبها، من نوع "الفساد الصغير الإداري "، والذي ينتشر ويتراكم، ليشكل الأرضية والبيئة الخصبة للفساد الأكبر. وهذه الممارسات الفاسدة لها علاقة مباشرة بمفاهيم ، من مثل :الواسطة ، والمحسوبية، والخلل في مفهوم العدالة، وتكافؤ الفرص ، والتجاوز على القانون ، والتطاول على المال العام ، وارتباط ذلك بالجهوية، والاحتماء خلف الولاءات الفرعية، بديلا عن دولة المؤسسات والقانون. وهي ممارسات موجودة ، كما ذكرنا ، لكن المبالغة في توصيفها وانتشارها ليس في صالح المجتمع ، بل يصب في طاحونة الفاسدين انفسهم، الذين من مصلحتهم تضخيم الحالة لتحويلها إلى ظاهرة اجتماعية معاشة،علينا تقبلها كواقع عصي على الضبط، وقدر لا بد منه، بل وتعزيز الشعور بالعجز تجاه مواجهته!.

وهنا مككن الخطر ، عندما يشعر الفاسد بالراحة والطمأنينة، كون ما يمارسه من فساد يشكل جزء من فساد عام وشامل. لذا لا بد من الحذر عند الحديث عن تعميم حالة الفساد، حتى لا يتحول من إدانة للفاسدين إلى تقديم خدمة مجانية لهم.

ويمكن القول،بأن الفساد في بلادنا ليس "حالة اجتماعية"،بل "ممارسة اجتماعية "لها علاقة بالوعي المجتمعي ، أو "السائد المجتمعي"، أي بمدى تقبل المجتمع لها .

وهنا لا بد من الاعتراف بأن التغييرات العالمية الهائلة التي حصلت خلال العقدين الأخيرين، وبخاصة في مجال الثورة المعلوماتية، قد أحدثت انقلابا حقيقيا في مفاهيم وسلوكيات سكان الكرة الأرضية، لتجرف معها العديد من القواعد والقيم التي سادت على مدى العقود التي سبقتها، وهو ما أدى إلى تغييرات جذرية في العلاقات الاجتماعية على كافة المستويات ، بدء بالأسرة والمؤسسات التعليمية، والمجتمع عموما ، وصولا إلى العلاقة بين الإنسان وذاته. لتعود، نتيجة لذلك ،قيم وسلوكيات جديدة هجينة ، عمادها الانطواء والتقوقع حول "الذات الانانية" (انا وبعدي الطوفان!)، وانتشار ثقافة الاستهلاك، والطمع الجشع ، والكسب السريع، دونما جهد ، أو أي ارتباط بالقيم الاجتماعية والاخلاقية ، بل والدينية، في العديد من الأحيان ، وصولا إلى حالة هي الأقرب إلى " الأنانية الغرائزية "التي أشرنا إليها. ومما ساعد في الوصول إلى هذا الوضع الشاذ هو ضعف المناعة التي يجب أن توفرها الأسرة والمؤسسات التعليمية ، وتلك التي تساهم في التربية ، وتشكل الوعي المجتمعي. فلم تعد الاسرة قادرة على ضبط الوعي والسلوك، ولا المعلم القدوة التي تستطيع التأثير بشكل فعال،وحتى المنهاج المدرسي لم يعد يواكب هذه التغيرات الهائلة التي تعصف بالعالم.وقد كشفت جائحة كورونا التي اجتاحت العالم ، وحبست شعوب العالم في منازلهم مدى هشاشة المجتمعات ، وبخاصة الفقيرة والشابة. ولو القينا نظرة سريعة على حال شبابنا ومؤسساتنا التعليمية والتربوية لوجدنا مدى انتشار الغش في الامتحانات ، وحتى بتشجيع من الأهل في العديد من الأحيان، وانتشار الواسطة في عملية تقييم الطلبة والعلامات، وشراء الأبحاث والمشاريع الطلابية، وغيرها من مثل هذه الممارسات التي تغيرت النظرة المجتمعية تجاهها،لتتحول من أعمال وسلوكيات مشينة ، لا يحظى اصحابها بالاحترام، بل يستحقون النبذ وعدم السماح بتصدر المشهد الإجتماعي والسياسي، إلى حالات عادية مقبولة،ضمن مفاهيم: " الشطارة"و"الفهلوة"، والقدرة على اقتناص الفرص، باستخدام كافة الأساليب والوسائل، مهما كانت دنيئة وغير قانونية، من منطلق :الغاية تبرر الوسيلة! ،ما دامت تعود بالفائدة والمكاسب الشخصية،وفق مفهوم "الأنانية الغرائزية "إياها ،والتي تستفحل في حالات الطوارئ وعدم اليقين. حيث تشكلت فئات فاسدة لا تؤمن بالقانون، والعدالة، والقيم النبيلة. ومن لا "يرتقي"الى ممارساتهم الفاسدة، فهم "السذج"، والذين "لا يعرفون من أين يؤكل الكتف"، بل ويعيشون وفق قواعد وقيم عفا عليها الزمن!. هكذا، وبكل بساطة واستخفاف، يحاولون فرض ثقافة جديدة لتسود وتسيطر على وعي الناس، وبخاصة الشباب منهم، لتحل بذلك ثقافة الكسب السريع المريح ، والاحتيال الصريح، بدل ثقافة العمل الشريف، وبذل الجهد ، والمثابرة، والإبداع، والتميز الحقيقي.

ان مواجهة محاولات ترسيخ هذا النهج المشوه في حياتنا الاجتماعية يحتاج إلى ثورة حقيقية لتغيير الوعي الجمعي تجاه مجمل المفاهيم ذات العلاقة بظاهرة الفساد بدء من البيت ، مرورا بالمؤسسات التربوية والتعليمية، ودور العبادة ،والفضاء الإعلامي، وصولا إلى مؤسسات العمل، ومواقع المسؤولية العامة، لتصل إلى حالة يصبح فيها الفاسد منبوذا، كونه يمارس عملا دنيئا ورذيلا ومعيبا،ولا يمكن ان يكون صاحب جاه أو وجاهة ، أو يحظى بالاحترام، وفي نفس الوقت، تطبيق القانون دونما هوادة أو تمييز. فالمجتمع الواعي ، المسلح بالقيم النبيلة، سيكون في المحصلة، الفيصل والعنصر الحاسم والاقوى في نبذ الفاسدين ومحاربتهم ، بل واجتثاثهم من جذورهم.

وخلاف ذلك، سيبقى الفاسدون يمارسون "لعبتهم الشيطانية"في تلويث وعي المجتمع، والسيطرة على النخب ،وإفسادها ، وشراء ذممها، وتوظيفها للمزيد من تشويه وتجريف وتخريب الوعي المجتمعي، لضمان استمرار هيمنة ونفوذ مشغليهم الفاسدين. هذه هي المعادلة بكل بساطةووضوح. وهنا مربط الفرس ومكمن الحل! .فالمجتمع الواعي لن يسمح لمرشح استغل حاجة الناس، ومارس شراء الذمم، ان يتحدث عن الفساد ، أو الادعاء بالدفاع عن قضايا الوطن وفئات المجتمع الضعيفة. فهؤلاء البسطاء بالنسبة للفاسدين ليسوا سوى أدوات للوصول إلى الموقع الذي يضمن لهم(الفاسدين) النفوذ لتحقيق مصالحهم الذاتية. وسيبقى الفاسد يعمل على تغييب الوعي الحقيقي للمجتمع كهدف رئيسي لاستمرار نفوذه وفساده ، الذي يسيء إلى الوطن ويغتال احلام أبنائه وبناته. اما المجتمع الواعي ، فلا تنطلي عليه الخطابات المنمقة، والوعود المعسولة،والطرود الانتخابية،أو حتى الصور مع الأطفال الأيتام، وذوي الإعاقة.

فمثل هذه الممارسات أصبحت مكشوفة وتثير مظاهر السخط والاشمئزاز لدى الغالبية الساحقة من مجتمعنا.

من هنا، فإن شعبنا ونخبه السياسية والاجتماعية الواعية تتطلع إلى المستقبل، وتراهن على تفعيل مخرجات منظومة التحديث السياسي والاقتصادي والاداري، المدعومة بإرادة سياسية عليا للوصول إلى حياة سياسية وحزبية حقيقية، تنتج مجالس نيابية قادرة على إحداث التغيير المنشود، الذي يرسخ قيم العدالة ، وتكافؤ الفرص ، وسيادة القانون على الجميع، ويفجر طاقات الشباب الإبداعية، ويعزز الانتماء للوطن ، ويحصن جبهته الداخلية في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، مما يساهم في تحقيق رؤية جلالة الملك في: ان البرلمانات الحزبية والحكومات المتنافسة في الرؤى والبرامج ،هي الطريق الصحيح للوصول إلى الدولة المدنية- الديموقراطية ، القاظرة على سن القوانين والتشريعات، التي تضمن توفير العدالة، وسيادة القانون ، وتكافؤ الفرص لجميع المواطنين،وتشكيل الوعي الجمعي على أسس ومفاهيم وقيم جديدة ، بعيدا عن الواسطة والمحسوبية والولاءات الفرعية،وعندها ستكون الدولة، بكافة اجهزتها ومؤسساتها الرسمية والشعبية، وبخاصة البرلمانية، والإدارات المحلية، الممثل الحقيقي لإرادة الشعب ، وراس الحربة في الدفاع عن مصالح الوطن ، والقادرة على قطع دابر الفساد بكافة أشكاله.

هذه هي الوصفة التي نزعم انها الأكثر فاعلية للقضاء على آفة الفساد واجتثاثها من جذورها. والى ان يتم ذلك، فنحن بأمس الحاجة إلى تضافر الجهود ، والعمل الدؤوب والمخلص لإنجاز المشروع الوطني للتحديث الشامل الذي أطلقه جلالة الملك وبلدنا يدخل مئويته الثانية بثبات وإصرار على بناء الأردن الانموذج، الذي يلبي آمال واحلام شعبه الذي يستحق حياة افضل تليق بطموحاته وعطائه الموصول..





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :