ما بعد سقوط إيران: سيناريو غاب عن العرب .. وفرصة لم تُستثمر
صالح الشرّاب العبادي
14-01-2026 09:08 PM
في خضم الجدل العربي المحتدم حول الدور الإيراني في المنطقة، ينصب التركيز عادة على ما فعلته طهران خلال العقود الأربعة الماضية: دعم جماعات مسلحة، تشكيل نفوذ عابر للحدود، واستخدام ساحات عربية كساحات نفوذ ومقايضة، غير أن السؤال الأكثر أهمية ليس ما فعلته إيران، بل ما كان يمكن أن تفعله لو سلكت طريقًا آخر.
هذا ليس تمرينًا فكريًا فارغًا، بل محاولة لقراءة المستقبل من خلال تقييم الماضي ، لأن مصير الشرق الأوسط في اليوم الذي تضعف فيه إيران أو تسقط، سيكون مرآة لما كان يمكن أن تكونه المنطقة لو اختارت طهران مسارًا مختلفًا منذ البداية.
إيران التي لم تأتِ… والشرق الأوسط الذي لم يلتأم..
لو أن إيران تجنبت بناء الأذرع العسكرية في العراق وسوريا واليمن ولبنان،
ولو امتنعت عن الاستثمار في هشاشة دول الجوار، وكانت عامل في ضعفه، ومحاولة بناء قوى مناوئة جيبية في دول الجوار ..
ولو ايران ما لعبت على التنافر الطائفي الذي زرعه وشيطنه الغرب ..
ولو أقامت علاقات صادقة وندية مع محيطها العربي، لكان المشهد اليوم مختلفًا جذريًا.
كانت ستشكل مع العرب، لا ضدهم، محورًا يمتلك ثقله في:
• الأسواق العالمية للطاقة
• خطوط التجارة الدولية
• الأمن البحري في الخليج
• الحضور السياسي في آسيا والبحر المتوسط ،
• تحالف يحسب له حساب .
ولكانت إسرائيل اليوم تحسب خطواتها، لا تُملي شروطها.
تحالف محتمل أهدرته الأطراف
لم يكن ذلك الطريق مستحيلًا، فالروابط الثقافية والجغرافية، وتاريخ التداخل بين الخليج وإيران والعراق وسوريا ولبنان، كانت قابلة لأن تتحول إلى جسور تعاون، لا خنادق مواجهة.
لكن خيارات طهران وفي المقابل أخطاء عربية في إدارة العلاقة معها ، صنعت دورة خصومة بدل صياغة شراكة.
فأصبحت إيران قوة تعمل منفردة وراء خطوط الدول العربية، وأصبح العرب يواجهونها لا يتعاونون معها، وتحوّل ميزان المنطقة إلى لعبة استنزاف لا يكسب فيها أحد.
هل سيكون سقوط إيران اليوم… سقوط وزن العرب معها؟
المفارقة الصادمة أن إيران، رغم خلافاتنا معها، أصبحت ضرورة استراتيجية، لا لأنها تمثل نموذجًا حالمًا، بل لأنها القطب الوحيد القادر على موازنة القوى الإقليمية الأخرى.
وإذا ضعفت أو سقطت اليوم، فإن الفراغ لن يملأه العرب بسهولة :
• إسرائيل تتقدم وتتوسع بدون رادع .
• تركيا من الشمال ( ان تُركت )
• الولايات المتحدة عبر الممرات البحرية والقواعد والسيطرة على مخانق الحياة البحرية بشكل منفرد .
• تقلص امتداد الصين وروسيا وهذا هدف من اهداف سقوط ايران .
• عشرون عاماً من الفوضى داخل ايران إن لم يكن اكثر من ذلك قد يمتد إلى الجوار التركي والعربي معاً ..
بالمقابل ، دول عربية متناحرة تتغذى من دول عربية نفسها ، ودول عربية تتجاوز الانطباع العام للعدو الإسرائيلي لتعمل معه وتسهل له هذا التناحر ..
وسيتحول العرب من شركاء ضرورة، إلى مستهلكين وتابعين في معادلة لا مكان فيها للضعفاء.
فرصة لم تستثمر… وثمن يدفع اليوم
لو أن إيران مدت يدها بدل أن تمد أذرعها، ولو اختارت حماية وحدة لبنان واليمن وسوريا والعراق بدل هندسة الانقسام،
ولو وضعت ثقلها في بناء نظام إقليمي لا اختراقه، لكانت الخيارات اليوم أمام العرب متعددة:
• توازن ثلاثي عربي-تركي-إيراني
• ردع قادر على الوقوف في وجه أي هيمنة.
• كتلة جيوسياسية بملايين البشر ولاعب اقتصادي من الخليج إلى آسيا الوسطى.
لكن هذا السيناريو لم يقع، والمنطقة تدفع ثمنه كله، عربًا وإيرانيين معًا.
المشكلة ليست سقوطًا أو بقاءً… بل مسارٌ لم يُتخذ
الشرق الأوسط اليوم لا يخشى قوة إيران بقدر ما يخشى غيابها.
لأن السقوط سيعني انفراط عقد التوازن الإقليمي لمصلحة لاعب واحد، بذراع ردعي اوحد ( اسرائيل) .
والبقاء بدون تغيير يعني استمرار النزيف الداخلي للجميع.
إن السؤال الحقيقي ليس ، هل نريد إيران قوية أو ضعيفة؟
بل: هل كان يمكن لإيران أن تكون شريكًا في بناء المنطقة بدل أن تكون طرفًا في استنزافها؟
فلو جاء المسار مختلفًا، لكان الخوف على دول الاقليم ترفًا لا واقعًا، ولكانت إسرائيل طرفًا عاديًا لا مركز ثقل يتربص بالجميع ، وقوة توسعية ردعية احادية الجانب بدون ضوابط و قوى اقليمية مضادة .
إن ضياع هذا السيناريو لا يلغي ضرورته، وربما يكون التفكير فيه اليوم بداية طريق جديد… إن لم يسبق الندم الحدث.