التراث الثقافي وهويته العربية المشرقية في خطر: غزة أنموذجاً
أ. د. زيدان كفافي
14-01-2026 09:56 PM
يؤكد لي الحديث حول موضوع التراث الثقافي وهويته العربية المشرقية في خطر، أن ما نقوم به الآن هو رد فعلٌ لما يجري على أرض غزة، وكأننا كنّا نيامٌ وتم إيقاظنا من سبات نوم عميق. وقبل أن أبدأ كلامي أود القول أن هذا الخطر قد تشكل مع تشكّل الصهيونية في القرن التاسع عشر، وبدء محاولات إثبات صحة ما جاء في التوراة مع إنشاء المدارس والمعاهد الأجنبية في سنة 1865ميلادية.
لكني استردف بالقول، أن هؤلاء التوراتيون لم يروا إلاّ بعين واحدة ، فقد أغفلوا أن تراث أصحاب الديانة اليهودية الأوائل هو جزء من تراثنا وتاريخنا الحضاري، ولا صلة لأهل الخزر به . كما أن المسيح عليه السلام ابن هذه الأرض، تبعه أهلها في ديانته وتعاليمه، فكيف يأتي هؤلاء من أقصى بقاع العالم للمحافظة على أهلنا وكنائسنا في المشرق، فنحن أولى به منهم. وما جاء الدين الإسلامي إلاّ مكملٌ لهاتين الديانتين، ولم يكن ندٌ لهما بقدر ما كان حاضن لهما فبنيت الكنائس مع بداية الإسلام، وما كنائس مادبا وأم الرصاص إلا دليلٌ على قولي هذا. ففي غزة تمت الإغارة على الناس الذين لجأوا للكنائس كما هو حال المساجد والمستشفيات والمدارس.
يعدُّ التراث الثقافي العربي مكون أساسي من مكونات الحضارة الشرقية، والتي هي جزء من التراث الحضاري العالمي، لذا أصبح لزاماً علينا أن نقدم للعالم سرديتنا التاريخية والدينية هذه، لأن أكثر أهل العالم الغربي لا يعلمون ولا يعرفون المعلومات الصحيحة حول تراثنا الثقافي. وحتى بعض الآثاريين الغربيين ، خاصة التوراتيين، فقد لووا ذراع الحقيقة وفسروا مكتشفاتهم الأثرية حسب أهوائهم ومقاصدهم.
ومن نافل القول أن أذكر أمامكم أن المنهج البحثي والدراسي التوراتي قد مر بمراحل عدة، أحددها فيما يلي:
1. المنهج الانجليزي / الأمريكي الذي تزعمه وليم فوكسويل أولبرايت (William Foxwell Albright) الذي بدأ من نهاية القرن التاسع عشر وحتى عام 1994م. ويقوم هذا المنهج على حمل التوراة بيد والمعول باليد الأخرى والتنقيب في مواقع ذكرتها النصوص التوراتية، فكانت تنقيبات تل السلطان في أريحا.
2. بعد سقوط الضفة الغربية في عام 1967م، قام اسرائيل فنكلشتاين (Israel Finkelstein) باجراء مسوحات في الجزء المحتل من فلسطين (خاصة منطقة رام الله) محاولاً العثور على مواقع المستعمرات اليهودية، لعلمه أم منهج أولبرايت لم يحقق الهدف المنشود منه. أذ تسرد الأسفار التوراتية أن طبيعة الاستقرار بجنوبي بلاد الشام ومع دخول القبائل الاسرائيلية إليها قد تحولت في كثير من الأحوال خلال بداية القرن الثاني عشر قبل الميلاد من المدينة إلى القرية والمخيم. ,ان مواقع المخيمات تتفق والحالة البدوية التي كانت عليها القبائل الاسرائيلية. واعتمدفنكلشتاين منهجه هذه في دراسته للدكتوراة المعنونة ب:
Finkelstein, Israel 1988; The Archaeology of the Israelite Settlement. Jerusalem: Israel Exploration Society.
ومن نافل القول أن فنكلشتاين أدرج أجزاء من الأردن في دراسته هذه، واعتبرها جزءاً من مملكة اسرائيل الأولى.
3. شهد عام 1994م تحولات سياسية وعلمية على الساحة العربية- الاسرائيلية بخصوص الدراسات التوراتية. فعلى سبيل الدراسات التوراتية فقد شكَّل مجموعة من التوراتيين الغربيين والاسرائيليين، بمن فيهم اسرائيل فنكلشتاين، مدرسة كوبنهاغن/الدنمارك عرفت باسم "المقلّين/ التفكيكيون/ المحرفون/ الراديكاليون (Minimalists/Revisionist) ونادى هؤلاء بعدم اعتماد القصص التوراتية بمجملها مصدراً لدراسة التاريخ اليهودي القديم بسبب أنها كتبت في فترة زمنية بعيدة عن نزولها على النبي موسى. فهبَّ التوراتيون التقليديون (Maximalists) في وجههم. ولكننا نرى أن كلا المدرستين لم تخرجا من تحت العباءة التوراتية.
4. مع بداية تسعينيات القرن الفائت أخذت منهج أمريكي في الدراسات الأثرية يحلُّ محل المدرسة التوراتية الانجليزية، وتمثل هذا بانشاء ما يسمى "إدارة المصادر الثقافية/التراثية Cultural Resources Management” . وانتقلنا بهذا من منهج دراسة الآثار من مواقع وعمائر وقطع وتقديم تاريخها للعالم إلى كيفية المحافظة عليها وإدارتها. فأصبح الناشئة لا تعرف ولا تقرأ تاريخها بقدر ما أصبح همها المحافظة عليه.
هذا هو حال مناهج دراسة آثارنا في الوقت الحاضر، وبرأيي المتواضع أنه إذا أردنا المحافظة على تراثنا يجب علينا أن ننشأ لأنفسنا مدرسة ومنهج دراسي وبحثي يأخذ بعين الاعتبار دراسة آثارنا وتقديم سرديتها للقريب والبعيد، وضرورة المحافظة عليها للأجيال القادمة.
يعدُّ أهل الفكر والعلم أن اللغة هي وعاء الفكر ،وهي المكون الأساس للثقافة، ومن العناصر الثقافية التي تؤكد على الجمع العربي من المحيط إلى الخليج. وإذا سلمنا بأن التراث الثقافي الملموس وغير الملموس ، بما في ذلك الآثار، فإن المخلفات الأثرية إلى جانب اللغة تدمج الشعوب وتوحدها في تاريخ واحد في أذهان أبناء هذه الأمة، إذ أنها الرابط التاريخي بين العروبة والاسلام . كما أن الثقافة المجتمعية والجامعة هي التي تتحكم بطبيعة العلاقة بين الأفراد والجماعات والأمم، وتحدد مقدار ارتباطها بحضارتها وتاريخها. وللأسف فإن كثيراً من أبناء الضاد لا يستطيعون لفظها، وأن جيل هذه الأيام بعيد كل البعد عن لغته. بل يفرح الآباء والأمهات عند سماعهم رطانة أطفالهم بلغة أجنبية غير لغتهم الأم.
من هنا نستطيع القول أن عولمة الثقافة هي تدمير وإلغاء للهويات الثقافية الماضية والحاضرة، وهذا ما يجابهه جيل الشباب العربي هذه الأيام. إذن لا بد لنا في العالم العربي من تطوير الوعي الذاتي بثقافتنا ، ولغتنا، وحضارتنا العربية المشرقية، وتعريف دورها في بناء الحضارت العالمية الأخرى.
تواجه التراث الأثري العربي مجموعة من التحديات الخارجية والداخلية. إذ بعد حصول الدول العربية على استقلالها برزت أمامها مشاكل شتى منها تأمين سيادتها على مواردها التراثية والطبيعية، كما تشغل كثير من بلدان العالم العربي مسألة تأكيد الثقافة الذاتية. علماً أننا نرى أن الحدود الحالية التي رسمها سايكس-بيكو لا تفصل في وجودها بين اللغة والثقافة العربية في هذه البلدان، على الرغم من الاختلاف في اللفظ.
تُشكل المادة الأثرية إضافة للكتابات والوثائق والمحفوظات القديمة الإطار التاريخي والهوية الثقافية لأي أمة من الأمم. وأن جوهر تاريخ الأمة العربية هو تلك الأوابد الشامخة التي تستهدفها اسرائيل في كل غارة على غزة هذه الأيام.
وكما ذكرنا أعلاه، فإن التحديات التي تواجه تراثنا العربي بشكل عام، وفي فلسطين بشكل خاص، هي الاحتلال الاسرائيلي وقيام الآثاريون الاسرائيليون بالتنقيبات والحفريات الأثرية في فلسطين مخالفين بذلك كل المعاهدات والقوانين الدولية والتي وقعت عليها اسرائيل نفسها. وهذا ما قاموا به في قطاع غزة اثناء احتلالهم له بين عامي 1967 و 2007م. كذلك يجب أن لا نغفل التحديات الداخلية من إجراء الحفريات بحثاً عن الكنوز، وتدمير المواقع الأثرية دون معرفة بأهميتها التاريخية وحرصهم عليها. وبرأينا فإنه وفي بعض الحالات تبدأ مواجهة التحديات الخارجية في الأساس من الداخل ويكون هذا بالارتفاع بالقاعدة العلمية الى مرحلة تطبيق التكنولوجيا في دراسة وتحليل وتوثيق آثارنا.
نتج عن الصراع العربي الاسرائيلي مجموعة من الحروب في أعوام 1948م، و1956م، و1967م ،و1973م ، و1982م ، وحروب اسرائيل على غزة خاصة في أعوام 2009، و2014، و2019، والحرب الدائرة هذه الأيام، استيلاء اسرائيل على المواقع الأثرية الفلسطينية تامة، واجراء تنقيبات بها، وسرقة آثارها، وتدمير المواقع والأوابد والمتاحف الأثرية.
يعدّ تاريخ غزة وآثارها جزءاً ومكوناً هاماً من آثار بلاد الشام، ومر عليها وسكنها الناس منذ أقدم العصور وحتى الحاضر دون انقطاع. ولم يكتفِ الإسرائيليون خلال غزوتهم التدميرية الأخيرة بقتل الناس وهدم المواقع والمباني التراثية والدينية والرسمية وغير الرسمية، وعلى رأسها مبنى مختبرات جامعة غزة الإسلامية، وخلال حرب غزة التي جرت في الحروب السابقة وحرب أكتوبر 2023م، دمرت الآلة العسكرية الإسرائيلية، بالإضافة للمباني الحكومية والخاصة، المواقع والمباني التراثية والمتاحف التي بلغ عددها 12 متحفاً ومجموعة خاصة. لن أسرد عليكم أسماء المواقع والمباني الأثرية والتراثية التي دمرت، لكني أرى أن المؤسسات العالمية المتخصصة لم تلقي بالاً لتدمير هذا التراث على يد الاسرائيليين ، وكأنه لا يخضع لهذه القوانين علماً أن بعضاً من هذه المواقع مسجلٌ على لائحة التراث العالمي.
عجباً، فإن كانت هذه اللوائح العالمية لا تحمي تراث غزة، فكيف لها أن تتدخل في إعادة بنيانه...وهل يستطيع أحد إعادة تكسير وتحطيم القطع الأثرية التي كانت مخزنة في مستودعات متاحف غزة... وهي ذاكرة المكان والسكان...لم يعد العرب غافلون عن الهدف في تدير تراثهم ، لكننا نقول في الاتحاد قوة.
أكتفي بهذا القدر وأسلم عليكم.
*ورقة عمل قدمت في ورشة عمل تدمير المتاحف ومعالم التراث والإرث الحضاري الفلسطيني في غزة "الحماية وإعادة بناء" بتنظيم من متحف الأردن.