facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الإعلام الرقمي في ميزان التشريع .. قراءة قانونية في الأسباب والمآلات


د. عبير المصلح
15-01-2026 10:39 AM

لم يعد الإعلام الرقمي مجرد امتداد تقني للإعلام التقليدي، بل غدا خلال فترة زمنية قصيرة فضاءً عامًا واسع التأثير، يعيد تشكيل أنماط إنتاج المحتوى وتداوله، ويؤثر بصورة مباشرة في تشكيل الرأي العام. فقد أسهم التحول الرقمي المتسارع، وما صاحبه من انتشار واسع لمنصات التواصل الاجتماعي والأدوات الرقمية، في انفجار غير مسبوق لحجم المحتوى المتداول، إلى جانب تراجع واضح في الحدود الفاصلة بين الإعلام المهني المنظم والمحتوى الفردي العفوي.

هذا التحول أتاح فرصًا حقيقية لتوسيع مساحات التعبير وتعدد الأصوات، غير أنه في المقابل أفرز تحديات مركبة، أبرزها اضطراب المعايير المهنية، وانتشار المحتوى المضلل، وصعوبة إخضاع الفاعلين في الفضاء الرقمي لأطر مساءلة قانونية واضحة. ومع اتساع هذا المشهد وتعقيده، لم يعد من الممكن التعاطي مع الإعلام الرقمي بوصفه مجالًا خارج التنظيم، بل أصبح جزءًا أصيلًا من البنية الإعلامية التي تتقاطع مع المصلحة العامة ومتطلبات التنظيم المؤسسي وحقوق الجمهور.

وفي هذا السياق، يطرح تنظيم الإعلام الرقمي نفسه اليوم بوصفه ضرورة تشريعية تفرضها التحولات التقنية ومتطلبات حماية المصلحة العامة، الأمر الذي يستدعي بحث الآليات القانونية السليمة الكفيلة بإخراج هذا المشروع في إطار تشريعي متكامل ومتوازن، يحدد نطاق التنظيم وحدوده، ويضبط أدواته، ويمنع التوسع في تفسيره أو تطبيقه خارج مقاصده المعلنة.

من هنا، تأتي أهمية قراءة المسار التشريعي المطروح قراءة هادئة ومتأنية، لا تنطلق من موقف مؤيد أو معارض مسبق، بل من إدراك لطبيعة التحول الرقمي وتعقيداته، وللحاجة إلى تشريع رشيد يستجيب لهذه التحولات دون أن يتحول إلى أداة تقييد أو تضييق.

تمثل موافقة مجلس الوزراء على الأسباب الموجبة لمشروع تنظيم الإعلام الرقمي خطوة تمهيدية في المسار التشريعي، لكنها لا تعني إقرار النص أو حسم مضمونه. فالأسباب الموجبة، من حيث قيمتها القانونية، تُعد بيانًا تشريعيًا يوضح الدوافع العامة للمشروع وأهدافه والغايات التي يسعى إلى تحقيقها، دون أن ترقى بذاتها إلى مرتبة القواعد الملزمة أو الأحكام التنفيذية.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية التمييز بين الأدوات التشريعية المختلفة. فـالقانون يصدر عن السلطة التشريعية، ويضع القواعد العامة المجردة التي تمس الحقوق والواجبات الأساسية، بينما يأتي النظام كأداة تنظيمية تصدر عن السلطة التنفيذية لتنفيذ أحكام القانون وبيان آلياته، في حين تُعد التعليمات أدوات أدنى مرتبة، تُعنى بالتفصيلات الإجرائية والتطبيقية. ومن هنا، فإن اختيار “النظام” كأداة لتنظيم الإعلام الرقمي يحمل دلالة قانونية تتصل بنطاق التنظيم وحدوده، ويستوجب دقة خاصة في الصياغة حتى لا يتجاوز الإطار التنفيذي إلى ما يمس جوهر الحقوق.

أما إحالة المشروع إلى ديوان التشريع والرأي، فتُعد مرحلة مفصلية في البناء التشريعي، إذ يضطلع الديوان بدور محوري في مراجعة النص من حيث سلامته القانونية، وانسجامه مع الدستور والتشريعات النافذة، ودقة مصطلحاته، واتساق أحكامه مع مقاصده المعلنة. كما تمثل هذه المرحلة فرصة مهمة لتجويد النص وضبط صياغته، وفتح المجال أمام النقاش العام والملاحظات المهنية قبل الإقرار النهائي.

وعليه، فإن قراءة هذه المرحلة لا ينبغي أن تُختزل في بعدها الإجرائي، بل في كونها الضمانة الأساسية لإخراج نص تشريعي متوازن، واضح المعالم، وقابل للتطبيق دون توسع أو التباس.

وإذا كان تحديد الأداة التشريعية وسياقها القانوني يشكل مدخلًا ضروريًا لفهم مشروع تنظيم الإعلام الرقمي، فإن السؤال الأهم يظل متعلقًا بأسباب هذا التوجه التشريعي، وما إذا كانت التحولات التي يشهدها الفضاء الرقمي تبرر التدخل التنظيمي من حيث المبدأ.

وتأسيساً على ذلك فإننا نلاحظ أن الدول تتجه، على اختلاف أنظمتها القانونية، إلى تنظيم الإعلام الرقمي بوصفه استجابة واقعية لتحولات عميقة فرضها الفضاء الرقمي، لا باعتباره توجهًا نحو التضييق أو التقييد. فقد أفرز هذا الفضاء، على اتساعه وحيويته، حالة من الفوضى المهنية، نتيجة تداخل الأدوار بين الإعلامي المحترف وصانع المحتوى الفردي، وغياب معايير واضحة تضبط طبيعة العمل الإعلامي ومسؤولياته.

وقد أسهم هذا الواقع في انتشار المحتوى غير الموثق والمعلومات المضللة، ما انعكس على وعي الجمهور وثقته بالمصادر الإعلامية، وأثار إشكاليات قانونية تتعلق بصعوبة المساءلة وتحديد المسؤولية عن الأثر المترتب على النشر. وفي ظل هذا المشهد، تبرز الحاجة إلى تنظيم الإعلام الرقمي كأداة لضبط الممارسة المهنية، لا لمصادرة الآراء، من خلال إرساء حد أدنى من القواعد التي تعزز الشفافية والمساءلة وتحمي حقوق الجمهور.

وفي هذا السياق، يبرز قدر من الغموض القانوني في عدد من المفاهيم التي وردت في الخطاب الصحفي المرافق للإعلان عن المشروع، وهو غموض يستدعي التوقف عنده قبل الإقرار. فمفهوم «تطوير وتنظيم البيئة الإعلامية الرقمية» يطرح تساؤلًا حول نطاق هذا التنظيم: هل يتجه إلى تنظيم المهنة الإعلامية ذاتها، أم المحتوى المنشور، أم المنصات والأدوات الرقمية، أم الأشخاص القائمين على النشر؟

كما أن الحديث عن « بيئة تشريعية واضحة وعملية» يفتح باب التساؤل حول معيار هذا الوضوح، وما إذا كان يتحقق بمجرد النصوص، أم بآليات التطبيق والرقابة التي سترافقها. ويزداد الأمر تعقيدًا عند ربط الأدوات الرقمية للمؤسسات الإعلامية بضرورة اتساق محتواها مع الوسيلة الإعلامية الأصلية، دون تحديد الجهة المخولة بتقدير هذا الاتساق أو المعايير التي تحكمه، وما إذا كان معيارًا موضوعيًا ثابتًا أم تقديريًا متغيرًا. وينسحب الغموض ذاته على آليات حماية الملكية الفكرية، حيث لم يتضح بعد ما إذا كانت ستُحمى عبر التسجيل، أو إجراءات الشكوى، أو جزاءات محددة، أم ستظل في إطار إعلان نوايا عامة.

كما يطرح إدراج «أخلاقيات استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي» تساؤلات حول طبيعتها القانونية، وما إذا كانت مبادئ إرشادية أم التزامات ملزمة تترتب عليها مسؤوليات مدنية أو جزائية.

ويبقى في صلب هذه الإشكالية تعريف «صانع المحتوى المحترف»، بوصفه حجر الزاوية في نطاق تطبيق النظام، وما إذا كان هذا الوصف سيُبنى على معيار الدخل، أو الاستمرارية، أو طبيعة المحتوى، أو اجتماع هذه العناصر مجتمعة.

في ضوء ما سبق، يتضح أن جوهر النقاش حول تنظيم الإعلام الرقمي لا يرتبط بمبدأ التنظيم بحد ذاته، بقدر ما يتصل بجودة هذا التنظيم ووضوحه وقدرته على معالجة الواقع المتغير دون خلق إشكالات جديدة. فالتشريع، متى جاء بصياغات دقيقة ومفاهيم محددة، يكون أداة لتنظيم الواقع لا لتعقيده، ومظلة قانونية تضبط الممارسة بدل أن تربكها.

ولا يكمن الخطر في سنّ نظام لتنظيم الإعلام الرقمي، بل في أن يُقرّ بنصوص غامضة أو معايير مزدوجة أو أدوات تطبيق غير واضحة، بما يفتح الباب أمام اجتهادات متباينة في التفسير والتنفيذ. ومن هنا، فإن الحاجة الملحّة لا تنحصر في إصدار النظام، بل في إخراجه ضمن قالب تشريعي مفهوم وشفاف، بعيد عن التقييد غير المبرر، وقادر على تحقيق الاستقرار القانوني للمجال الإعلامي الرقمي.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية فتح نقاش وطني مهني واسع قبل الإقرار النهائي، يضم الإعلاميين والحقوقيين وخبراء التشريع، إلى جانب صناع المحتوى والمؤثرين الإيجابيين في وسائل التواصل الاجتماعي، بوصفهم أطرافًا فاعلة في هذا الفضاء، ومعنيين بشكل مباشر بتداعيات التنظيم وتطبيقاته العملية. فإشراك هذه الفئات لا يُعد ترفًا تشاوريًا، بل شرطًا أساسيًا لتجويد النص وضمان قابليته للتطبيق.

فالتشريع الجيد هو ذاك الذي يواكب تطور التشريعات المعاصرة، ويتفاعل مع الواقع التقني المتغير، ولا يكتفي بسدّ فراغ شكلي بنص قانوني، بل يعالج هذا الفراغ معالجة متكاملة، توازن بين التنظيم والمرونة، وتوحّد المعايير، وتحد من الغموض والقصور. وعليه، فإن نجاح نظام تنظيم الإعلام الرقمي سيُقاس بمدى قدرته على أن يكون تشريعًا تكامليًا يسدّ الفجوة التنظيمية القائمة، وينظم هذا القطاع الحيوي بوضوح واستقرار، لا بمجرد صدوره أو الإعلان عن أهدافه.

الغد





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :