إربد في ميزان الدولة: اختبار الأداء خارج المركز
صالح الشرّاب العبادي
21-01-2026 10:44 AM
إربد لم تكن أمس محطة في جدول ملكي، بل مساحة اختبار حقيقية لأداء الدولة خارج العاصمة ، الزيارة لم تنشغل بالشكل ولا بالصور، بقدر ما وضعت المضمون تحت المجهر: كيف تُدار المحافظات؟ أين تقف الخدمات؟ ومن يتحمل مسؤولية الفجوة بين القرار والتنفيذ؟
في هذا الإطار، جاءت زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني حفظه الله ورعاه إلى إربد ، فعلًا ميدانيًا مباشرًا، يعكس قناعة راسخة بأن الدولة لا تُقاس بخطابها، بل بقدرتها على النزول إلى الواقع ومواجهته كما هو ، فحين يحضر رأس الدولة إلى الميدان، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن الأمور تسير على ما يرام، بل قد يكون مؤشرًا على مراجعة صامتة للأداء، ورسالة واضحة بأن التراخي الإداري لم يعد مقبولًا، والتراجع عن التطوير والتحديث لخدمة المواطنين في اربد وما حولها ، غير مقبول على الإطلاق .
الخدمات كمعيار شرعية
لم يكن التركيز على القطاع الصحي تفصيلًا تقنيًا في برنامج الزيارة، بل اختيارًا سياسيًا واعيًا ، الصحة، في ميزان الدولة، هي أحد أبرز معايير الشرعية الاجتماعية، وأي خلل فيها ينعكس مباشرة على ثقة المواطن بمؤسساته ، من هنا، بدا مستشفى الأميرة بسمة أكثر من منشأة خدمية؛ بدا اختبارًا لقدرة الدولة على توفير الحد الأدنى من العدالة الجغرافية في الخدمات، بعيدًا عن مركزية العاصمة.
الرسالة هنا لم تُوجَّه للمواطن بقدر ما وُجّهت للإدارة: الخدمات الأساسية ليست ملفًا مؤجلًا، ولا بندًا خاضعًا للظرف الاقتصادي، بل التزام سيادي لا يقبل التسويف.
التنمية: من الخطاب إلى الاستدامة
في كل زيارة ميدانية، يظهر سؤال غير معلن: هل ما نراه هو نتيجة عمل مؤسسي مستمر، أم استجابة مؤقتة لحدث استثنائي؟ زيارة إربد أعادت هذا السؤال إلى الواجهة ، فالتوجيهات المتعلقة بالبنية التحتية، وتنظيم المدينة، والنظافة العامة ، والخدمات المقدمة للمواطنين، وتشجيع الانتاجية الفردية او الجماعية الصغيرة ، لا تحمل قيمة بحد ذاتها ما لم تتحول إلى سلوك إداري دائم ، ومتابعة مستمرة، وممارسة مهنية تتطور للأحسن .
الملك، في هذا السياق، لا يطلب تحسين الواجهة، بل يدفع باتجاه تغيير المنهج: إدارة تُحاسَب على الاستمرارية لا على الظهور، وعلى النتائج لا على التقارير .. وهذه تحتاج الى جهود مخلصة ..
الاقتصاد المحلي كرافعة استقرار
افتتاح المعرض الدائم للمنتجات الريفية والزراعية لم يكن مجرد دعم رمزي لصغار المنتجين، بل جزءًا من رؤية أوسع ترى في الاقتصاد المحلي خط دفاع اجتماعي اول ، فحين تُمنح المحافظات أدوات الإنتاج والتسويق، فإن الدولة تقلل من هشاشتها الاقتصادية وتعزز مفهوم الاقتصاد المحلي ، وتعيد تعريف العلاقة بين المواطن والعمل، بعيدًا عن ثقافة الانتظار والاعتماد على المركز الذي اصبح مزدحماً ..
هذا التوجه يحمل بعدًا استراتيجيًا: الدولة التي تُنتج في أطرافها، أقوى وأكثر تماسكًا من دولة تستهلك في مركزها.
السياسة في صمت المشهد
ما لم يُقَل في الزيارة لا يقل أهمية عما قيل. شكل اللقاءات، وتنوع الحضور، وطبيعة الرسائل غير المباشرة، كلها تشير إلى رغبة في إعادة ضبط العلاقة بين الدولة ومجتمعاتها المحلية ، لم تكن هناك خطابات شعبوية، ولا وعود فضفاضة، بل إشارات محسوبة تقول إن المرحلة القادمة تتطلب ، كفاءة، لا تبريرًا ، وإدارة منتجة لا تصوير او تمرير..
في هذا المعنى، يمكن قراءة الزيارة كتنبيه مبكر: الدولة حاضرة، تراقب، وتعيد التقييم ، كيف لا ورأس الهرم الوطني حاضر هناك في الشمال العزيز .
إربد، في هذه الزيارة، لم تكن استثناءً، بل نموذجًا ، نموذجًا يُراد تعميمه في كيفية إدارة المحافظات، وفي اختبار صدقية السياسات على الأرض ، الرسالة الأعمق أن مركز الدولة ليس في عمّان فقط، بل حيث تُختبر السياسات فعليًا، وحيث يُحاسَب الأداء بلا مواربه ، والعمل من اجل الانتاج والخدمة ..
هنا، السؤال: ماذا ستفعل المؤسسات بعد هذه الزيارة الملكية؟