الضبعُ الذي رأيتُه ليلاً!
أ.د سلطان المعاني
21-01-2026 10:47 AM
تتأخر الحافلة عن القرية، فتُسلِّمك إلى المدينة الأقرب، في ساعةٍ يهبط فيها الشتاء دفعةً واحدة. تخرج من مجمّع الباصات، فتتبدّل الأصوات من ضجيجٍ بشريّ إلى فراغٍ مفتوح، ويصير الطريق خارج المدينة امتحانًا للحواسّ أكثر منه مسافةً على الخريطة. تمشي، فيصير الهواء سكينًا باردة، وتشتدّ العتمة حتى تكاد تُلامس أطرافك، ويبدأ العقل في ترتيب الأشياء كي يحتملها: يلتقط ظلال الشجر، ويحوّل ارتعاش الأعشاب، ويمنح كلّ حركةٍ تفسيرًا يسبقها.
يتسلّل الخوف هنا من موضعٍ عتيق. ينتمي إلى ذاكرةٍ جسديةٍ تعرف كيف تحرس صاحبها حين تتراجع الإضاءات وتنسحب الجماعة. يشتغل الخوف كحارسٍ صامت: يرفع سمعك، يفتح عينك على مسافاتٍ لم تكن تراها في النهار، ويصنع من الفراغ كائنًا محتملًا. عند هذا الحدّ بالذات يلوح “الضبع”، تمشي على البعد، أو يخيّل إليّ أنها تمشي، أو يتواطأ الظلّ مع التعب كي يُنتج رفيقًا مفزعًا يرافق خطاك.
تعود بعد العمر لتسأل السؤال الذي يجرحنا لأنه صادق: هل رأيتُ حقًا؟ أم رأيتُ خوفي؟ وهل يحتاج الخوف إلى حيوانٍ كي يتجسّد، أم يكتفي بأن يلبس هيئةً من الهيئات؟ يستحق هذا السؤال أن يُسمع كما هو، دون تجميل ودون إنكار، لأن قيمته في اعترافه بأن الذاكرة ليست جهاز تصوير، وأن الشهادة ليست دائمًا نسخةً حرفية من الواقع. تشتغل الذاكرة أحيانًا ككاتبٍ داخليّ: تنتقي زاوية، وتشدّد الإضاءة على تفصيل، وتترك تفاصيل أخرى في الظلّ. تفعل ذلك كي تمنح التجربة دلالة قابلة للرواية، وكي تُسعف الذات في فهم ما جرى داخلها ساعة الامتحان.
يفعل التكرار فعلَه أيضًا. تُروى القصة على سبيل التشجيع، فتأخذ موقعها في صورة الاجتهاد: معلّمٌ نهارًا، طالب دراساتٍ عليا مساءً، وطريقٌ طويل بلا سيارة، وطموحٌ يعضّ على نفسه كي يستمر. تتكرّر القصة، فيتصلّب مشهدها في الذاكرة، ويُصبح الكائن المفترض أكثر حضورًا من البرد نفسه. عندها يظهر شكلٌ من اليقين الملتبس: يقينٌ لا يقوم على برهانٍ مفرد، وإنما على تراكب الشعور والتكرار والحاجة إلى رمزٍ يختصر تلك الليلة.
ثم يلمع ضوء سيارة من بعيد. يقترب الضوء، فينكمش الفراغ، ويهدأ الجسد شيئًا فشيئًا، كأن الخوف كان ينتظر هذا الضوء تحديدًا. تقف السيارة. يفتح ركّابها بابًا للدفء، وتسقط فجأة أسئلة كثيرة: كيف قطع هذا الطريق؟ كيف احتمل؟ ما الذي دفعه إلى المشي كل هذا في هذا البرد؟ يخرج السؤال من أفواههم صافيًا، ويصير في داخلك مرآة: هل حدّثتهم عن الظلّ الذي كان يرافقك؟ ربما فعلت، وربما ابتلعت الحديث لأنك خشيت أن يُساء فهمك. في كلتا الحالتين، تظلّ لحظة الإنقاذ أكثر رسوخًا من لحظة الرعب: بشرٌ غرباء يتصرّفون كأهل، ويصير الطريق بوجودهم أقل قسوة، وتستعيد الحياة شيئًا من عدلها.
هنا تبرز العبرة التي تلوّح من وراء الحكاية دون وعظ: تُظهر التجربة كيف يُصنع الكائن داخل الرأس حين يُترك الإنسان وحيدًا في العتمة. تُظهر أيضًا كيف يشتغل الخيال حين يتغذّى على خوفٍ صامت. تُصوّر آلية دقيقة: يُمنح الاضطراب هيئةً محددة، وتُحمل الرجفة على ظهر “كائن” كي يسهل حملها في اللغة. يصبح الضبع، في هذا المستوى، أداة تأويل لا مجرد حيوان: علامة تضعها النفس على الطريق كي تقول: هنا واجهتُ حدّي، وهنا عبرتُ رغم ارتجاف الداخل.
ثم تقفز من هذه الآلية الصغيرة إلى الآلية الكبرى التي أشرتَ إليها في خاتمتك: تُصنع كيانات بأكملها بالطريقة نفسها، مع فارق أن الخوف هنا يُدار على نطاق جمعي، ويُستثمر بوعي سياسي. تُخلق “ظلال” مقنعة تُرافق الشعوب: تهديدٌ دائم، خطرٌ مُطْلَق، سردية خلاص تتقدّم كأنها قدرٌ تاريخي. تُرسم خرائط على الورق، ثم تُقدّم كأنها امتداد طبيعي للأرض. تُكتب أدبيات كاملة تُعلّم الناس كيف يرون الواقع من زاوية واحدة، وكيف يسمّون الأشياء بأسماء مختارة سلفًا. يُستدعى نصّ ديني أو رمز مقدس بوصفه ختمًا نهائيًا، فيتحوّل النقاش حول الحق إلى خصومة حول الإيمان، وتُغلق أبواب المراجعة.
تشتدّ فظاعة الأمر حين يتحوّل الاختلاق إلى جهاز: مدرسة تعيد إنتاج الرواية، وإعلام يلمّعها، ومؤسسة تكتبها في وثائقها، ونظام أسماء يعيد تسمية المكان كي تبدو الذاكرة السابقة غريبة. يبتدئ المحو غالبًا من الاسم، لأن الاسم يثبت الدلالة ويجعلها قابلة للتداول. يُمحى الاسم القديم فتضيع طبقة من الذاكرة الحيّة، ثم تُمحى حكايات الناس فتخفت شهادتهم، ثم يُعاد ترتيب الزمن ذاته: يُقدَّم تاريخ مختار بوصفه الأصل الوحيد، وتُدفع تواريخ أخرى إلى الهامش كأنها هوامش بشرٍ عابرين.
تتواطأ اللغة مع ذلك أحيانًا حين تتبنى مفردات جاهزة: “أرض بلا…”، “عودة…”، “قدر…”، “استحقاق…”. تصير الكلمات أقنعة. تصير الجمل جسورًا تعبر عليها القوة من دون مساءلة. عندها يفقد الإنسان حق السؤال: يُطلب منه أن يسلّم، أن يصفّق، أن يعتبر التشكيك خيانة. وهنا تعود حكايتك الصغيرة كميزان أخلاقي: يحق لك أن تراجع “الضبع” لأن حياتك لم تُبنَ على هذه المراجعة، أما حين تُبنى حياة شعب كامل على “ضبعة” مختلقة، وعلى ظلّ يجري تضخيمه عمدًا، فإن المراجعة تصير ضرورة إنقاذ، وتتحول الشهادة إلى مقاومة.
تُعيد هذه المقارنة تعريف الشجاعة. تُظهر أن الشجاعة ليست بطولةً صاخبة، وإنما ممارسة يومية للوعي: تُدقّق في ما ترويه، تُميّز بين ما رأته العين وما صنعه الخوف، وتتعامل مع الذاكرة بوصفها كائنًا حيًا يحتاج إلى تهذيب ومراجعة. تُظهر أيضًا أن الأخلاق ليست خطابة، وإنما التزام بإنصاف الأسماء، وبحماية حق الناس في رواية قصتهم دون أن تُصادرها خرائط مصطنعة.
وتنتهي الحكاية على صورتين متقابلتين: تمشي وحدك على طريقٍ بارد فتتشكّل في داخلك “ضبعة” محتملة، ثم تأتي سيارة فتفتح الدفء وتعيدك إلى بشرٍ من لحم ودم. وبالمقابل، تمشي شعوب على طريقٍ أطول، فيأتي “ضوء” مزيف يطلب منها أن تنسى أسماءها وأن تصدق سردية واحدة، فتُختطف الذاكرة الحيّة ويُستبدل بها تاريخ مصنّع. عند هذا الحدّ تصير مهمتك، بوصفك شاهدًا ومفكّرًا، أن تُنقذ الفرق بين الاثنين: أن تُبقي باب السؤال مفتوحًا، وأن تحرس اللغة من أن تتحول إلى أداة محو، وأن تفضح الظلال حين تتقمّص هيئة حقيقة، وأن تقول للناس إن الطريق يستحق ضوءًا صادقًا، لا وهجًا يُعمّي.
هذه هي الدلالة الأبعد لحكاية الضبع: أن يُنقذ الإنسان نفسه من التصديق السهل، وأن يُنقذ جماعته من خرافةٍ تُدار كمؤسسة، وأن يتعلم أن الذاكرة حين تُراجَع تُصبح أكثر كرامة، وحين تُستغل تُصبح سلاحًا ضد أصحابها.